نجيبة حمروني…وداعاً يا حرّة

‏لا أحب المرثيات ولا أتقنها، لا أحب ترك رسائل الوداع على حيطان افتراضية لأشخاص عرفتهم عن قرب، لا أعرف تأبين القامات الفارعة كقامتها.

نجيبة حمروني نقيبة الصحافيين التونسيين السابقة ربما هو اللقب الأشهر لها، لكن كثيرين لا يعرفون أنها ناضلت باستبسال في عهد بن علي وتحدت عصابة مستشاره عبد الوهاب عبد الله التي كانت تحكم بالحديد والنار قطاع الصحافة. كان قطاعاً “إقطاعياً” بحق، تحكمه الولاءات للنظام وحاشيته.

نجيبة حمروني من القلة النادرة التي تحدت تلك العصابة وتشبثت بالتحدي حتى حين خذلها المئات من الصحافيين.

عرفتُ نجيبة صديقة مقربة للراحل محمد قلبي، كانت ابنته بشكل ما، كان أستاذها ومثلها الأعلى، كانت حينها في حرب ضروس لإثبات حقها في صحيفة الصباح…صراعها ضد الاستبداد كان عملاً خارقاً في ذلك الوقت. سافرنا بعدها معاً إلى بيروت في تدريب مع صحيفة النهار وعرفت نجيبة أكثر، ذلك التدريب الذي جرى تشويهنا فيه على أعمدة الصحف التونسية آنذاك بأننا “مرتزقة لجهات أجنبية يشوهون النظام وواقع الصحافة”.

نجيبة كانت تواصل السير غير مكترثة بعمليات التشويه، كان لديها طول نفس لتحارب الفساد الذي نهش الصحافة في تونس حتى بتنا نؤمن أنه لن تقوم له قائمة.

نضالها لم يأتِ بعد الثورة بل هو سابق لها بكثير، نضال فتاة شجاعة لم تتقولب في قالب المجموعة التي كانت تركض وراء لقمة العيش وآثرت الصمت.

نجيبة التي صارعت الفساد صارعت أيضاً مرض السرطان بشجاعة محاربة، وبقيت حتى أيامها الأخيرة تتفقد أحوال الصحافة لا سيما بعد خروج رموز نظام بن علي (الذين حاربتهم) من السجن، وتلك مفارقة عجيبة من مفارقات هذا الزمن.

نجيبة التي ترجلت عن صهوة جوادها ليلة أمس كتبت قبل أسابيع: من هشَّم صورتي في مقر النقابة؟
متسائلة عمن يقف وراء تعمد تهشيم صورتها…لا نعرف من يا نجيبة، نعرف فقط أن صورتك ستبقى منقوشة في ذاكرة الصحافة.
وداعاً يا حرة.

image

Posted in اشياء عربية | أضف تعليقاً

أنتِ حرة؟

.”لا أطمع في شيء، لا أخاف من شيء، أنا حر”

عبارةٌ خطت على قبر نيكوس كانتزاكيس، بقيت أرددها لسنوات وكأنها قِبلتي الوحيدة، وكلما ادعيتُ أني سأكون مثله حرة وجدت نفسي أخاف قليلاً أو كثيراً أو أطمع قليلاً أو كثيراً، وفي كل مرة أكرر المحاولة وأهمس لنفسي مشجعة: أنت حرة. كيف أكون حرة وثياب الخوف منشورة غير بعيد عني تنتظر فقط أن تجف، كيف أكون حرة وأنا أمارس الترقب والخوف من الفشل والخوف من النسيان والخوف من ألا أكون أنا يوماً ما.
كيف أدعي أني لا أطمع في شيء وأنا طمعت في النجاح مراراً وفي التغيير كثيراً وطمعت أكثر حين قابلت ناساً اعتقدت أنهم يشبهوني واعتقدت أني سأسير معهم حتى آخر العمر، طمعت في أن أحلم معهم أكثر وأكسر بعونهم حواجز الكره والأنانية والجهل التي تسيج أوطاننا..كان طمعاً كبيراً لا يليق بحرة.

Posted in اشياء عربية | أضف تعليقاً

الصلاةُ الأخيرة

 

يُطوى الحنين مثلما تطوى جريدة انتهينا من قراءتها من الصفحة الأولى حتى الأخيرة، نضعها بهدوء على الطاولة ونمضي.

يُطوى الحنين مثلما تنتهي أغنية كنّا نسمعها بشغف وفجأة تتوقف عن مفاجأتنا، عن تحريك الدوافن فينا.

يطوى الحنين بعد أن قتلوا الْحُلْم بداخلنا، وقصفوا رغبتنا بأن نحلم واعتقلوا كل ما من شأنه أن يذكرنا بأن الحلم ممكن ثم وأدوا ذكرياتنا حين كُنا نحلم ذات يوم.

يطوى الحنين مثلما تطوي صورتها وهي ترسل شعرها الطويل خلفها مثل أغنية تهذي، في المقهى البلجيكي في تلك العاصمة الكئيبة، كانت تترجم لغريب كلمات الأغنية الفرنسية التي تصدح من جهاز تسجيل المقهى، كانت تترجم بجدية مضحكة كلمات أغنية لرجل لا يعرف من الفرنسية سوى Oui.

تذكر كم كان اللحن حنوناً بما يكفي ليجعلها تتفاعل مع الأغنية في كل جملة، تذكر كيف كانت الطاولات حولهما متواطئة بما يكفي ليلتزم الزبائن الصمت حولهما ويراقبون المشهد باهتمام بالغ، تذكر نظرات العجوز المبتسمة لها وكيف تحمل كفيها إلى قلبها علامة إعجاب على تفانيها في ترجمة الكلمات والطرق الخفيف على الطاولة وهي تفعل…

يومها كان يكفي أن تمنحه ترجمة سريعة لأغنية خطتها على المنديل الورقي حتى توهم رواد المقهى الحاضرين الغرباء مثلهما أنّ ثمة نجاة ما لهما في آخر القصة، لكن حين تتوقف الأغنية، ويعود الجميع إلى عوالمهم السفلية، إلى التيه الذي أتوا إليه كادحين من دول شتى، يتوقف الحلم أيضاً..

تتوقف الأغنية، ويطوى المشهد بداخلها، ينسحب الجميع وتبقى الجملة الأخيرة تدندن برأسها:

وطني يوجعني ووطنك يوجعك
أنت مثلي في عدة أشياء حتى في لؤم أوطاننا

Posted in اشياء عربية | 2 تعليقات

قصة قصيرة جداً

‏-هناك تفجير انتحاري.
‏-اللعنة… أين حتى أتضامن؟
‏- جنوب بغداد
‏-آه…هذا عادي، يحدث منذ سنوات.

‏…..
‏صمت

Posted in اشياء عربية | تعليق واحد

مجرد حكاية

مثل حليب اندلق على تمثال رخامي، انسكب الحزن على وجهها.

كان يكفي أن يسألوا عنه لتنهمر ملامحها مثل ألوان جُرفت من سطح لوحة. فجأة ذبل الجفنان، انكسرت الأهداب مثل سيوف منسيّة سلّت من غمدها وقد علاها الصدأ، والشق بين الشفتين انفتح عن زفير يكاد لا يسمع، روحها فقط انتبهت لهذا الزفير..
الذكريات تنفتح من شقوق المكان، مثل مياه تتدفق بين الصخور ولا أحد يستطيع منعها، كان يكفي أن يسألوها عنه ليتوقف الزمن فجأة.

هي التي تضع راحة يدها على وجهه كلما عاد، وكأنها تُخرج ملامحه من ذاكرتها وتعيد وضعها بالترتيب على وجهه، تضع راحة يدها على خده وتتأوه، يغمض عينيه ويضغط خده على يدها تأكيداً أنه هنا، بين يديها، تعود إليه ملامح وجهه كلما وضعت يدها عليه. قبل دخوله كان رجلاً دون وجه يقول لنفسه.

لم تفعل الكثير ليفهم أنّه في كل عودة يعيد القصة إلى الحياة، قصته المشوشة والمشوهة لا يعرف كيف يكتبها، لا يعرف من هو إلا لحظة تحضر. دون كلام كانت تضع يدها على خده ثم تحمل رأسه لتحطه على ركبتيها وكأنها تحمل رضيعاً إلى سريره، ويحل الصمت لدقائق، يرفع رأسه ويصبح شخصاً آخر.

لغة الصمت بينهما كانت مشحونة بالحكايا، حتى حين يهمّ بالاعتذار تضع إصبعها على فمه وتسكته، لماذا غاب؟ لا تعرف ولا تسأل. تترك الباب موارباً في كل مرة ليعود، يعود باحثاً عن ملامح وجهه على كفّها، تضع يدها فيستعيد ذاكرته، كأن البركات تحلّ عليه، يشم يدها مثل طفل يتعرف إلى أمه، يلثمها باكياً، يحضن ركبتيها، وحدها تعرف كيف تسمع نشيجه دون أن تقاطعه.

هطوله الموسمي على ركبتيها، مثل سحابة يأتي دون موعد يسقي الأرض ويرحل، حاملاً معه رائحتها.

آخر مرة حمل رائحتها المعجونة بماء الزهر والدموع ولم يعد. بقيت ملامحه على أناملها تنتظر طرقه الخفيف على جدران قلبها في العتمة، لكنه لم يحضر.

من يومها صار الحزن ينسكب على وجهها كلما نطقوا اسمه أمامها.

Posted in اشياء عربية | 2 تعليقات

سائق القطار

سائق القطار العاشق لم يفعل الكثير ليصنع الصخب في المدينة، كان كلما وصل إلى مدينة حبيبته فجراً، أطلق صفارة القطار خمس مرات، كان أغرب إعلان حب تعرفه مدينة متبلدة.

Posted in اشياء عربية | أضف تعليقاً

حلب لن تصلي

جحيم لا تقفل أبوابه منذ خمس سنوات، ومع ذلك نفكر بالجنّة ونقيم قداساً في ساحة القلب اليوم (دون تحديد لأي دين نتبع) لننعى أطفال حلب ونساءها ورجالها.

في خبر عاجل تداولت الوكالات نبأ غلق المساجد اليوم في حلب لأن القذائف تطال كل شيء بما فيها المساجد التي ما عادت مؤمنة لتستقبل المصلين، هذا إن وجد المصلون أصلاً طريقاً مفتوحة توصلهم للمساجد وسط القصف المستمر منذ أسبوع، إن وجدوا وقتاً مستقطعاً من ساعات دفن الموتى والبحث عن المفقودين والعويل في كل مكان من المدينة المحترقة ليأتوا ويصلوا صلاة الجمعة.

هذه التراجيديا المشرعة أبوابها توّلد كارثة من رحم أخرى، قصف مستشفى قبل يومين، قصف عزل كل يوم وتحدثني الآن عن إلغاء الصلاة؟ ما القاتل في هذه التراجيديا أكثر؟  هل هو طمر المصلين تحت وابل من القذائف؟ أم استهداف أطفال كانوا على أسرّة المستشفيات ينتظرون علاجاً فانهالت عليهم القذائف لتنهي أعمارهم القصيرة في لمح البصر؟ أطفال ولدوا في الحرب، لم يعرفوا وجهاً آخر للبلاد غير هذه التي يرونها اليوم موشحة بالقتل والدماء بأي ذنب يرحلون وهم لم يعرفوا من الحياة سوى رائحة الحرائق وألوان الخراب ؟

عذراً يا الله لأنهم لم يصلوا لك اليوم، اعذرهم، هناك الكثير من القتل في الأسفل هل بإمكانك أن تتدخل وتنهي هذه الحرائق؟ لن تجد أحداً يصلي لك في الجمعات القادمة إن لم تنهي هذا الآن…

Posted in اشياء عربية | 2 تعليقات