من الغوطة إلى هامبورغ

أنشر هنا قصة محمد هشام، شاب سوري غادر سوريا باتجاه أوروبا، هرباً من جحيم الحرب، لكن الوصول لم يكن سهلاً. قصته أشبه بسيناريو فيلم، وإن كان واقع اللاجئين السوريين أثبت أنه أشد مرارة وقسوة من القصص التي صيغت عن اللاجئين في الأدب والشعر والسينما.

القصة مثلما كتبها محمد دون تغيير وقد سمح لي بنشرها على مدونتي :

رحلتي من الغوطة إلى هامبورغ…
(سوريا-لبنان-مصر-تركيا-سوريا-الأردن-تركيا-اليونان-مقدونيا-صربيا-هنغاريا-النمسا-ألمانيا).
طويلة القصة!
إنها المرة الأولى التي أغادر بها بلدي الحبيب سورية بسبب الحرب التي أنهكت بلدي, وبعد مجزرة في مدينتي داريا التي كانت الأكبر في سوريا ذلك الوقت، لكن الأصعب من ذلك، أنني ودعت والدتي الغالية على عجل، ودعتها أملا أن الحرب لن تطول وسأعود قريبا، ولم أعلم انها ستمتد رحلة اللجوء تلك الى ما يزيد عن ثلاثة أعوام ونصف حتى الآن.
مكثت أسبوعا واحدا في لبنان فقط بسبب غلاء المعيشة، وقررت الذهاب الى مصر بنية الإلتحاق في الجامعات المصرية، وصلت الى مصر بتاريخ 29/9/2012. وبعد عدة أسابيع قمت بتحضير الأوراق الازمة، إلا أن باب التسجيل في الجامعات قد أغلق. لا فرصة عمل هناك، فذهبت الى تركيا لأعود بعدها الى سوريا، ظنا مني أن الحرب ستنتهي قريبا وسأعود لجامعتي، ولكن الحرب لم تنتهي، بل زادت ضراوة.
حتى الى بلدي يجب ان أدخلها بطريقة غير مشروعة، فبعيدا عن أعين السلطات وصلت من تركيا الى “الغوطة الشرقية”. والدتي وعائلتي في دمشق يبعدون أقل من 5 كم عني، ولكن تجاوز هذه المسافة يعني الإنتحار، لا مجال لشاب تطلبه الحكومة للإلتحاق بالخدمة العسكرية، الإلتحاق بمن تسبب بالحرب في سوريا وقتل البشرية، بأن يعبر عبور الآمنين إلى عائلته ويشاركهم نزوحهم من بيتهم الذي أصبح تحت النار الى مناطق أكثر أمننا.
بتاريخ 5/4/2013 بدأت رحلتي من الغوطة الى أوربا. قررت الخروج من سوريا مجددا الى أوربا فقد طالت فترة إنقاطعي عن الجامعة، وهناك بإمكاني متابعة تعليمي، وأعود بعدها واشارك بإعادة بناء بلدي التي دمرته الحرب.
بعد ثلاثة محاولات بائت بالفشل لامجال للوصول من الغوطة الى تركيا التي تعتبر نقطة الإنطلاق الى أوربا، فالغوطة تحت الحصار. سائق سيارة “براد” ينوي الذهاب الى الأردن لينقل بعض الجرحى وبعض العائلات ولديه متسع لي ولصديقي، نعم سنذهب معك الى الأردن، ونمكث لليلة ونستخدم مطار عمان ونذهب الى تركيا.
في صباح 6/4/2013 بعد رحلة مرعبة تخللها القنابل المضيئة لكشفنا في الصحراء وإطلاق بعض الرصاص علينا من قبل الحكومة السورية وصلنا حدود الأردن.
نقلنا حرس الحدود الأردنية الى مركز إستقبال اللاجئين السوريين “مركز أمن البادية”، بحجة انهم فقط يستقبلون العائلات، زجونا في السجن لمدة 12 ساعة وقاموا بحجز أوراقنا وسلب جواز سفري الذي يعتبر أهم وثيقة، وخاصة لمواطن بلد تنهشه الحرب ولا مجال لإستصدار أي وثيقة من جهة حكومية، وقاموا بإعادتي الى سوريا.
مكثت قرابة الشهر في درعا، وحاولت الدخول مجددا ودخلت الأردن، لكن دون أي وثائق. بعد خرق الأردن مرتين للقانون الدولي، مرة بإعادة لاجئين سوريين الى بلد قد يتعرضون فيه الى التعذيب، ومرة حين حجز مايزيد عن ربع مليون وثيقة للاجئين السورين.
مكثت عامين في الأردن كانت أصعب عامين في حياتي على الإطلاق، ومن جانب أخر تعرفت على أصدقاء سوريون وأردنيون خلال تلك الفترة كانوا خير أصدقاء وجعلوا تلك الحقبة الزمنية أسهل قليلا.
أنها الأنظمة العربية! تعرفت على ذلك السمسار، مقابل 400$ قام بجلب جواز سفري من مركز حجز الوثائق السورية في الأردن “رباع السرحان”.
مساء يوم السبت قام بتسليمي الوثائق، لم أذهب الى المنزل، ذهبت مساء السبت لأبيت أمام السفارة السورية لتجديد جواز السفر، من مساء السبت الى ظهر الخميس تمكنت من تجديد جواز السفر، والثلاثاء المقبل موعد سفري الى تركيا. عامين كانت تكلفة عبور بلد عربي!!
الثلاثاء 16/06/2015 الساعة الواحدة ظهرا،ً أشعر بشدة الخوف والإرتباك، هل سأعبر المطار أم ستقوم المخابرات بإعادتي الى سوريا كما فعلت بالعديد من أصدقائي.
ألتف نحوي أحد المسافرين السوريين وقال لي: سوري؟ ذاهب الى تركيا من ثم الى اوربا؟ أجبته لا. ذاهب الى تركيا لمقابلة عائلتي فقط، أريد الآن فقط تجازو المخابرات، أنا على نافذتهم الآن، بعد عشرات الأسئلة قام بطبع ختم المغادرة على جوازي، ابتسمت للحظة ثم سمعت صراخ زميله، إلحق بي الى غرفة التحقيق التابعة للمخابرات في المطار، لم يبدأ التحقيق بعد! لحقت به، أجبت على جميع أسئلتهم وأخبروني أنه بإمكانك المغادرة. ملئت الفرحة قلبي وتوجهت نحو ذلك الشاب وأخبرته نعم ذاهب الى تركيا ومن ثم إلى أوربا هنا، تعرفت على رفيق الرحلة “فراس أبو خليل” Feras Lattakia من اللاذقية من أشجع وأطيب الأصدقاء الذين قابلتهن.
هنا تبدأ المغامرة!
سألته كيف سنعبر البحر من تركيا الى اليونان ؟ بالتأكيد كما يعبره الجميع، نتفق مع مهرب، ينقلنا ب البلم “القارب المطاطي الصغير” مقابل 1000$ على الشخص الواحد أليس كذلك؟
قال لي: بالتأكيد لااا، سنذهب سباحة!!!!
ظننته يمزح فلم اسمع قبل أن أحدا قد فعلها. وصلنا الى تركيا مساءا، وفي صباح اليوم التالي كنا في أزمير وأطلعني على خريطة الشاطئ والنقطة التي سوف نسبح منها الى الجزيرة اليونانية (8 كم) “مرفق الصورة رقم 1″ من شاطئ cesme الى جزيرة chios اليوناني.
بعد سير ساعتين وسط النهار وحر الشمس وصلنا النقطة، أتطلعت عليها، تبدو قريبة، أجبته: نعم، سأسبح معك، رغم أنني لم أسبح في البحر سوى مرتين وهذه الثالثة ولكن أسبح منذ الصغر، عليي فعلها، فما أملك من نقود لن يكفيني إلا إذا سبحت هذه المسافة. وعدنا الى المدينة، أشترينا سترة النجاة والزعانف التي تساعد في السباحة وضوء ليزر والقليل من الماء والطعام، عدنا نحو نقطة الإنطلاق، وصلنا الثامنة مساءً تسللنا بين الأشجار، تلك التلة التي تبعد عن الأعين، ألقينا كل أمتعتنا ولبسنا فقط شورط السباحة وسترة النجاة، ربطت أوراقي ونقودي بأكياس النايلون لكي لايصلها الماء ووضعتها بحقيبة صغيرة على خصري، سأحتاج الى حذاء عند الوصول الى الشاطئ إن وصلت! ربطت حذائي على كتفي وحملت الزعانف، فإنها التاسعة والنصف، قد حل الظلام وحان موعد الانطلاق. كانت التلة مرتفعة وعلينا تسلق ذلك السفح لنصل الى المياه، وصلت الى صخرة مرتغعة قليلا عن الماء واختبئنا خلفها ليعبر مركب خفر السواحل، بعد أن إبتعد عنا نزل صديقي فراس الى الماء وأخبرني أن الماء بارد جدآ، توترت قليلا وتقدمت نحوه ونزلت الى المياه، كانت باردة جدا، زاد توتري وزادت دقات قلبي، غمرت كامل جسدي في المياه ليعتدل مع درجة برودتها ونظرت الى الشاطئ المقابل، كم هو بعيد وكم البحر مظلم، كانت أكبر لحظة خوف أعيشها في حياتي، أنا على مشارف الموت وآخر لحظاتي في هذا العالم.
صرخت لفراس اسمعني جيدا: لقد خططت كثيرا لرحلتك هذه لن أكون سببا في إفشالك سأسبح 50 مترا إن إستطعت المتابعة سوف أتابع ولكن إن لم أستطع اكمل طريقك وانا سأعود، لبست الزعانف، وقامت بقلبي داخل المياه فسترة النجاة تطفو بي من الأمام والزعانف من الخلف، بدأت بالسباحة، وبدأت بالتقدم، في طريقنا يوجد جزيرتين صغيرتين مهجورات، نظرت الى الأولى تبعد 3 كم، إن وصلت اليها لن أموت سابقى عليها حتى الصباح وأطلب المساعدة.
نظرت خلفي ومازلت ابتعد تدريجياً عن الشاطئ ولكن مازالت الجزيرة الأولى بعيدة ولكنني أتقدم ولم أشعر بالتعب بعد.
البحر مظلم من حولي، سبحت على ظهري ونظرت الى السماء، كانت مليئة بالنجوم ويخطها الشهاب بين الحظة والأخرى، أخبرت فراس أنها من أجمل اللحظات أو أجمل منظر مررت خلاله في حياتي. مازالت الجزيرة المهجورة الأولى بعيدة في حين ظهرت خلفها باخرة تسير ليس ببعيدا عنا، سألت فراس هل أشير بضوء الليزر لها وتقوم بإنقاذنا، أجابني أننا لم نتجاوز المياه التركية بعد، ماذا لو أعادتنا الى تركيا، إياك بإصدار أي إشارة، مازلنا في حالة جيدة، فقط تابع السباحة.
كان فراس يمشي أمامي ويقوم بتشجيعي، فهو إبن اللاذقية وإبن البحر. نعم عشرات الأمتار ونصل الجزيرة الأولى، انها أمامنا، ولكن أصوات الطيور التي تقف عليها تملأ المكان، وبعضها بدأ يحوم فوق رؤوسنا، ربما تظن أننا جثث وتنتظر إلتقامنا، لا لن نقف على هذه الجزيرة بإمكاننا السباحة 2 كم اخرى، ونأخذ الإستراحة على الجزيرة المهجورة الثانية، تجاوزنا الجزيرة الأولى وأصبحنا بين الجزيرتين، بدأت التيارت البحرية تظهر، بعض الموجات العالية جدآ وصلت إلينا، عليي التجاوب معها، لم أعد أرى فراس أمامي، للحظات شعرت بالخوف وبدأت أشعر بالتعب أيضا، عاد البحر لهدوءه والجزيرة الثانية أمامنا، مازلت الطيور تحوم فوق رؤوسنا وتظهر أصواتها من الجزيرتين.
ماهذا !!! الجزيرة الثانية عبارة عن صخرة كبيرة ومرتفعة جدا والأمواج تضرب بها ولا مجال لتسلقها أبدا ولا حتى الاقتراب منها.
تجاوزنا الجزيرة الثانية، تفاجئنا ببعد الشاطئ اليوناني!! لا حل إلا بالمتابعة، خفضنا سرعتنا وبدأنا بالسباحة ببطء لكي لاتنفذ طاقتنا، ولازال صديقي فراس بروحه الجميلة يقوم بتشجيعي على المتابعة، وعاودنا السباحة ولايزال الشاطئ بعيدا. بدأنا السباحة في التاسعة والنصف، لا أعلم الوقت الآن، أظن أنها الثانية في منتصف الليل ولازلنا نسبح، الامواج تارة تساعدنا نحو الأمام وتارة تسحب بنا نحو الخلف وطاقتي تنفذ. ولكن! الأضواء تقترب، 1 كم متر ونصل أحياء الى الشاطئ دون أن يبتلعنا ذلك البحر الواسع، وفي ذات تلك اللحظة، ضوء أحمر على يسارنا يقترب نحونا، هل نشير لها، فالشاطئ أصبح قربنا، سنصله لوحدنا، ولكن بعد الشاطئ الى أين نذهب ونحن مبللين، سنشير إليهم وهم سينقلوننا الى مخفر شرطة السواحل حيث يجب أن نذهب.
أخرجت الضوء من الحقيبة حيث وضعتة في جيبة منفصلة، أخرجته من كيس النايلون لكي لا تقربه المياه، وأشعلته وأشرت نحو تلك الباخرة لدقيقة، وإذا بها تشعل انوارها وتسلط علينا ضوء الكشاف، وبدأت تحوم حولنا، حيث كانت تتصل بخفر السواحل، دقائق وبدأت قورابهم تتجه نحونا وقاموا بإرسال قارب صغير نقلنا الى آخر أكبر منه، كان الجو باردا جدا، فنحنن مبللون، جائعون بعد 6 ساعات سباحة، الظمأ يقتلني من ملح البحر، سريعا قدوموا لنا المياه طلبوا التأكد من أننا سوريون، ومضوا بنا نحو اليابسة. نعم عبرنا من تركيا الى اليونان، كانت أكثر شيئ مجنون فعلته في حياتي، كانت صعبة جدا، لكن فعلنها دون دفع ذلك المبلغ لمهرب البشر، كانت ليلة عظيمة لن أنساها.
أول أثنين يصلان وحدهما الى هذه الجزيرة، فغالبا ما يستقبلون المهاجرين ب قوارب تحمل على الأقل 40 شخصاً. كانت معاملتهن جيدة في ظروف سيئة حيث أعطونا وثيقة تسمح لنا بالبقاء في اليونان لمدة 6 أشهر، حصلنا على تلك الوثيقة بعد يومين إنتظار في تلك الجزيرة كيوس، لنتعرف على 6 أصدقاء أخرين، رامي ورامي أبو نذير وحمادي وجاسم ومحمود والشاغوري، قد أضافوا طعما جميل إلى تلك الرحلة، فقد أصبحنا اخوة في نهاية الرحلة، وإتجهنا سوياً الى أثينا، أبتنا ليلة واحدة في أثينا، وفي الليلة التي تلتها إتجهنا الى مدينة تسالونيك القريبة من الحدود مع مقدونيا.
توجهنا الى محطة القطارات، يوجد قطار ياخذنا الى الحدود في السابعة مساءا، ولكنها السادسة صباحاً، لن ننتظر سنذهب الى محطة الباصات ونذهب بالباص. للأسف لم يقبل موظف الباصات بأن يحجز لنا تذكرة الى تلك المنطقة الحدودية أفيزوني لأننا غير مخولين بزيارة المناطق الحدودية بناءا على الوثيقة التي منحت لنا.
أخبرنا انه بإمكاننا الحجز لمنطقة تدعى kilkis، تبعد 21 كم عن المدينة الحدودية، قررنا الذهاب وعند الوصول، ربما نجد وسيلة نقل اخرى او نتابع هذه المسافة سيرا، أوصلنا الباص الى نقطة مقطوعة، أستراد دولي وسكة قطار، لا وسيلة نقل تنقلنا، وبدأنا بالسير عند الساعة الثانية عشر ظهرا على سكة القطار، تحت حر الشمس” مرفق الصورة 2″ لنتفاحئ أن مسافة السير ستتجاوز ال 80 كيلو متر. وبعد عدة ساعات من السير على الأقدام، وقفنا لدقائق تحت ظل شجرة لنستريح قليلا ونأكل بعض حبات التمر، فمازلنا دون طعام من الليلة السابقة، ولا نحمل سوا بضع حبات التمر والماء الذي أصبح ساخنا.
تحت تلك الشجرة فتحت هاتفي النقال الذي مازال يلتقط إشارة الشبكة اليونانية، الكثير من الرسائل، أولا سأتفقد رسائل والدتي لأطمئنها أنني بخير، وهنا أستقبل الخبر الأسوأ في حياتي الذي قسم ظهري بأن والدي قد فارق الحياة، ما أن إنذرفت دموعي وإلا برفاقي ينهظون لمتابعة السير، تابعت سيري حزينا متألما لقد أردت أن أتصل به من ألمانيا، وأخبره انه بإمكاني اليوم متابعة تعليمي، وستراني محاميا كما أردتني، ولكن قدر الله وماشاء فعل.
مازلنا نسير ونسير، نمشي ساعتين ونرتاح عشرة دقائق،
لم نصل الحدود المقدونية حتى الساعة الثالثة ليلا، لنجد مئات اللاجئين واقفين على الحدود، حيث قوات الجيش منتشرة ولاتسمح لأحد بالدخول. تكلمنا مع بعض الشبان هناك واخبرناهم عن سيرنا على الأقدام، أخبرونا أنهم دفعوا فقط 1 يورو فوق سعر التكت للموظف ليحجز لهم سريعا في ذلك القطار، ونحن قد أذاب السير أقدامنا فقد بدأ الدم يسيل من اسفل أقدام جميع أفراد مجموعتنا، ذلك يعود للسير على أحجار سكة القطار فلا طريق اخر كان لدينا.
لكن القصة لم تنتهي هنا علينا دخول مقدونيا، ترجل فراس مرة آخرى بعد سباحة البحر، ليقودنا عبر ال جي بي أس، برنامج الخرائط، ونتابع سيرنا بين الغابات لنلتف خلف الجيش ونعبر الحدود وندخل مقدونيا. سرنا ورائه نحو 200 شخص، يتضمنهم نساء وأطفال وبعد 8 ساعات سيرا وصلنا الضيعة المقدونية جفجيليا ودخلنا مخفر المدينة لناخذ وثيقة طرد من البلاد مدتها 3 أيام وإستخدام المواصلات العامة، كان ذلك بعد أن وافقت الحكومة المقدونية على إعطائها لللاجئين بعد ضغوط و مظاهرات شعبية على ما كان يواجهه اللاجئين في غابات مقدونيا من تعرض لمسلحين ومشلحين والشبح الكبير سجن غازي علي بابا.
أخذنا تلك الوثيقة واتجهنا نحو العاصمة المقدونية سكوبيه، وكنت قد حجزت بفندق على الإنترنت، ذهبنا اليه مباشرة، دخل اليه رفاقي، وذهبت الى أقرب صيدلية لأجلب لهم كريمات وأدوية تساعد جراح أقدامهم بالشفاء.
في اليوم التالي الساعة الواحدة ظهراً وجهتنا من محطة الباصات الى مدينة كومنوفو القريبة من حدود صربيا.
نزلنا بها واتجهنا الى محطة القطارات القريبة لنحجز الى النقطة الحدودية، ولكن كانت محطة القطارات شبه مهجورة، وموعد قدوم القطار في الحادية عشر ليلا، لم ننتظر، خرجت للبحث عن سيارتين تكسي تنقلنا الى الحدود، وجدت واحدة نقلتنا على دفعتين الى المعبر المقدوني-الصربي الرسمي، واتجهت نحوهم، ولكن لم يسمحوا لنا بالعبور وأشاروا لنا الى الطريق الترابي الذي نسلكه نحو صربيا. سلكنا ذلك الطريق، تجاوزنا نهرا صغيرا ومشينا على يسار السكة الحديدية لمدة ساعة واحدة، لنجد الجيش الصربي منتشرا أيضا على الحدود، هناك ثلاثة دوريات أمامنا، 300 مترا بين الواحدة والأخرى، إقتربنا بهدوء، وأتفقنا على الجلوس حتى غياب الشمس وحلول الظلام، لنقوم بتجاوزهم. ساعة واحدة من الانتظار حتى حل الظلام، بدأنا بالزحف واحدا تلو الآخر، دوريات الشرطة كانت على يمينا ويسارنا، وفجأة يبدأون بالصراخ: بوليس بوليس، لا.قد قبض علينا! وإذ بأحد أصدقائنا، يتسارع نحونا، ويخبرنا أنهم قد لاحظوا مجموعة آخرى غيرنا وركضدوا نحوهم وامسكوا بهم، إنها فرصتنا، تابعنا السير وقد ابتعدنا عنهم،وعبرنا الحدود، لقد كانت كمعجزة.
الارض وعرة يملئها الوحل لم نهتم وتابعنا المسير على السكة الحديدة مجددا، لنصل محطة القطار في ثالث قرية صربية عند الساعة 11 ليلا، بعد 5 ساعات من السير على الأقدام، وكان القطار سيتجه نحو العاصمة بلغراد بعد نصف ساعة.
لن يقوموا بالحجز لنا دون الذهاب الى مركز الشرطة في المدينة واخد ورقة طرد لمدة 72 ساعة وعلينا الانتظار من يوم الى ثلاثة أيام للحصول عليها. ظهر شاب تونسي قال لي بانه سيقوم بالحجز لي عبر وثيقته فابتسمت له، نعم انا متشكر لك، ولكن ذلك ليس بالمجان قال لي، مقابل 10 يورو، لا بأس ظننت اننا نعيش نفس المعاناة وستعيننا بالمجان لا مشكلة خذ النقود واحجز لنا ثمانية تذاكر، عند قدوم القطار تفاجئنا ان تذكرة القطار لن تكفي لأن الشرطة وقفت على باب القطار، ذهبت وأخبرتهم أننا لانحمل تلك الوثيقة، فقد وصلنا للتو على موعد القطار، لم يقبلوا بذلك، صعد الجميع الى القطار وذهب، وبقينا نحن الثمانية، وبعد ذهاب القطار بلحظات جاء أحد عناصر الشرطة، أخبرنا أنه بإمكاننا الذهاب بالقطار التالي بعد ثلاث ساعات، بإمكانكم النوم بالقطار الآن الى حين موعده “مرفق الصورة رقم 3”.
في اليوم التالي نحن في العاصمة بلغراد ولكن لا يوجد فندق يستقبلنا دون تلك الوثيقة قرب محطة الباصات، ولكن أحد سائقين التكسي بالقرب من المحطة نقلنا الى فندق، يبعد نصف ساعة عن المحطة، كان ذلك الفندق بتكلفة مرتفعة وبجودة سيئة جدا.
مكثنا ثلاثة أيام في ذلك الفندق نخطط لعملية عبور هنغاريا دون التعرض الى بصمة اللجوء، التي تجبر هنغاريا جميع العابرين الذين تلقي القبض عليهم على البصم والتقدم بطلب اللجوء لها، رغم انها لا تملك مقومات وميزات اللجوء التي تنص عليها أتفاقية دبلن، من يود الذهاب الى ألمانيا لا مشكلة ف ألمانيا تتغاضى عن هذه البصمة وتمنح حق اللجوء، بسبب سوء المعاملة في هنغاريا أما باقي الدول فلا تتهاون بهذه البصمة وتقوم بترحيل اللاجئين الباصمين في هنغاريا اليها، وذلك سيكون عقبة على معظم أعضاء مجموعتنا فمنهم من تنتظره عائلته في بلجيكا و السويد فذلك دفع بعض الأصدقاء للذهاب مع مهرب بتكلفة 1500 يورو على الشخص الواحد ليقطع بهم هنغاريا نحو النمسا.
بقيت لوحدي مع اثنين آخرين فلا نملك تكلفة الذهاب مع المهرب، وفي اليوم الثالث إتجهنا نحو محطة الباصات، وقمنا بشراء تذاكر الى مدينة كنجيزا القريبة من حدود هنغاريا، وقبل الوصول بدقائق، أوقفتنا الشرطة الشرطة الصربية وكان قد بقي 15 راكب في الباص، جميعهم سوريون وأثنين جزائريين، صعد أحد عناصر الشرطة الى الباص، وسار بنا الباص لمدة 5 دقائق واوقفنا في نقطة، أنزلنا بها وذهب الباص ووقفنا مع عناصر الشرطة واخبرونا: من يدفع يمشي، أرادوا 10 يورو على الشخص، دفعناها وأشاروا لنا أن نسلك هذا الطريق نحو هنغاريا نحو مدينة سجد الهنغارية.
كانت مسافة السير 7 ساعات وبين ساعة وآخرى تمر سيارات الشرطة الهنغارية، ونهرب منهم ونختبأ في الغابة، ثم نتابع، وفجأة ركض نحونا بعض عناصر الشرطة وألقوا القبض على بعض منا ونجوت أنا وبضعة آخرين، في الساعة الرابعة صباحاً نحن قرب مدينة سجد، الجميع القى حقائبه وبدل ثيابه ودخل المدينة، قررت البقاء حتى السابعة صباحاً ومن ثم ادخل انا والاثنين الآخرين، بعد الجلوس للحظات ومن شدة التعب غرقنا في النوم وسط الغابة التي تملأها الحشرات واستيقظت في الساعة السابعة والنصف صباحا، أيقظت أصدقائي، ألقينا جميع اغراضنا وبدلنا ثيابنا بثياب لا تدل على اننا مهاجرين، فدقائق وسندخل المدينة بحثاً عن سيارة تكسي. ها نحن الآن داخل المدينة، بعض المزارعين ينظرون إلينا، زحمة السيارة ليست بعيدة، نحن باتجاهها، نعم على طرف الطريق توجد سيارة أجرة، 20 مترا ونصل إليها وننجو من الشرطة التي ظهرت فجأة ووصلت إلينا قبل وصولنا لسيارة التكسي. أصعدونا سيارتهم وأخذوا بنا الى مركز إحتجاز للمهاجرين، وعلى الطريق أخبروني أنهم تلقوا خبرا من طائرتي الإستطلاع وقناص انهم لاحظوا خروجنا من الغابة وجائوا للقبض علينا.
بعد ساعتين من الإنتظار في مركز الإحتجاز، قاموا بنقلنا الى العاصمة بودابيست، الى مركز الهجرة والأجانب، واعطونا خيارين إما ان نبصم بصمة جنائية وياخذوننا الى السجن لمدة شهر ويعيدوننا الى صربيا بعدها، او نتقدم بطلب لجوء ونبصم ويخرجوننا بنفس اليوم. إن لم أبصم سأضيع شهرا في السجن وأعود إلى صربيا ومن ثم سأعيد نفس المحاولة التي تبلغ فيها نبسة النجاح أقل من 10% بسبب التشديد الكثيف للسلطات الهنغارية على الحدود، ولا أملك أيضا 1500 يورو لأدفعها للمهرب الذي لا يضمن لي أن لا يقبض عليي وأعود لنفس الخيار والبصم. قررت أن أبصم ولكن وضعت مادة الألتكو على أصابعي قبل البصم وبالفعل لم تظهر بصماتي نهائيا على الجهاز ولكن لا مجال للتذاكي فأجبروني على تنظيفهم حتى ظهرت بصماتي، وفي ذات اليوم الساعة واحدة ليلا قاموا ب إخراجنا، ذهبت لفندق أمضيت الليلة، وفي اليوم التالي ذهبت لأقرب مطعم وأستخدمت شبكة الإنترنت للتواصل والبحث عن سيارة من بودابيست ل ألمانيا. اتفقت مع سائق ب 500 يورو على الشخص، كنا 11 مهاجر، وبعد ساعة ونصف من الإنطلاق عبرنا هنغاريا الى النمسا، وبعد ساعتين نحن في ألمانيا، أمتار قليلة في ألمانيا حتى تجاوزتنا سيارة شرطة وأشارت لنا بالوقوف، قاموا بإعتقال السائق بتهمة نقل مهاجرين غير شرعيين، وتقدموا نحونا وسألوا: هل أنتم سوريون، نعم جميعا، “أهلا بكم في ألمانيا”، كانت إبتسامتهم وترحيبهم مريح جدا، نقلونا الى مركز أمني، اخذوا بصماتنا و أعطونا عنوان كامب ل نذهب آليه ولكنني ذهبت الى هامبورغ المدينة التي أحبها، والتي تتغاضى عن بصمة هنغاريا، وهناك نقلونا الى كامب بوشتد قرب هامبورغ والوضع فيه جيد جدا.
أخيراً أنا في ألمانيا 01/07/2015، أنتظر الحصول على تصريح الإقامة لأبدأ بتعلم اللغة ومتابعة تعليمي مجدداً.

Posted in اشياء عربية | أضف تعليقاً

رسالة قصيرة

.” قال لها: “تفقدي قلبي عند غمازات ركبتيك.. تلك التي كلما شوهدت.. فزّ في الحرب خَيل

Posted in اشياء عربية | 2 تعليقات

حرقوا الرضيع

نعم لديّ مشكلة مع الموت، الموت حين يأتي على أطراف أصابعه ومعه مولوتوف مستهدفاً رضيعاً يسرقه من حضن أمه، لا أستطيع أن أتقبله، ولو قالوا عنه “شهيد.”

نعم لديّ مشكلة في أن أكون “حيادية” وأنا أنقل خبر وفاة رضيع أُحرق حياً، لدي مشكلة في كتم حزني المعجون بالغضب وأنا أقرأ برقيات الوكالات وأشاهد تقارير المراسلين. نعم لدي مشكلة في التعود على هذا الظلم، في أن نكون حياديين ورضيع يحرق حياً، من الظلم أن نعود إلى بيوتنا بعدها ونتحدث عن يوم عمل شاق، ومشقة عائلة بعيدة عنا آلاف الأميال دُفن طفلها وأفرادها في العناية المشددة لأنهم حرقوا أحياء أيضاً.

نعم لدي مشكلة في ألا أتقمص ولو للحظة حياة أم فلسطينية فقدت إبنها متفحماً، سيطلبون منها إن بقيت حية أن تواصل حياتها كأن شيئاً لم يكن.

نعم لدي مشكلة كبيرة في أن أصحو على الموت في هذه “الأمة” ككل صباح. وأفتته أخباراً ثم آكله آخر الشهر…

Posted in اشياء عربية | 2 تعليقات

قَبْلَ النهايةِ بقليل

شيئاً فشيئاً ستتعود على الغياب، سيُصبِح حضور الغياب خارطتك الوحيدة، تضعها في جيبك وتسِر نحو نفسك بنفسك، لا عكاز تتكئ عليه غير ثقل صلاوتك، ونشيج داخلي يهطل بداخلك فيرويك. إمضِ نحو قدرك، سامح بقدر الظلم المسقط عليك، رتبْ الابتسامات على رفوف ذاكرتك، الصادقة منها جوار المزيفة، رتبْ الأصدقاء والأعداء والبين بين، يا إلهي كم ستُشفق على هؤلاء الذين تاهوا وهم يختارون: هل يطعنونك في صدرك أم في ظهرك. الآن وقد ناولتَ الجميع خناجرَ تكفيهم، إمضِ ولا تلتفتْ.

Posted in اشياء عربية | تعليق واحد

هنا

إليكَ وصلتُ مجردةً من رُمْحي. كنت قد وشمتُ خسارتي على خصري وأنا أسير نحوك، في منتصف الطريق تماماً مثلما طلبتَ، توقفتُ، وحين التفتُ وجدتُ من قُتلن على يدكَ يسرن خلفي.

Posted in اشياء عربية | تعليق واحد

حديثُ نفس

لم أكن إِلاك، أرسم طيفك على جدران عتمتي وأستدرج الحلم، أُغمض كفيْ الترقب بحفنة أمانٍ أدسها له مرة واحدة، مثل درويش، يحملها مطأطئ الرأس ويمضي.

Posted in اشياء عربية | أضف تعليقاً

إليك

ناوِلني خدِّي من على صدرك، ناوِلني تلك الزنابق السوداء نبتتْ على قميصِك من آثار كحلي، ناوِلني شاماتي الهاربة من جلدي على جلدك، أعِدْ إليَّ أصابعي، أصابعي بترتْ نفسها ودسّتْ حالها في راحة يدك وأنت تمضي، ناوِلني صوتي المعمّدِ بالبكاء كلما مرّ إسمي على شفتيك في حضرة الأشقياء..ناولني ظلّي السائر خلفك وأمامك وجنبك، .ناوِلني تلعثمي وحزمة أسئلتي وبقايايا فيك..ناولني الأنا فيكَ، ترتفع باسقةً كلما نطقت “بحبك”…ناوِلني بقية عمري سأمنحه إليك مجدداً ملفوفاً بالشوق وقد أضفتُ إليه دقائق الانتظار الأخيرة..

ناوِلني، بل خذني بكلي، ما استبقيت شيئاً.

Posted in اشياء عربية | تعليق واحد