ثمار الثورة تعفنت في أغصانها

 

إلى الغائب دوماً

إلى الغائب دوماً أجد ما يكفي من الوقت لأكتب له وأرسل إليه، أحياناً لأعودَّ نفسي على الصبر، أختلقُ أعذاراً كثيرة للغائبين.
أبحثُ عن ديباجة تليق بك وبي لأضمنها ما أكتب حالياً،
لاحظ أَنِّي أنتقلُ من ضمير الغائب المفرد المذكرإلى ضمير المخاطب أنتَ كأني أراك، كأنك تراني.

لماذاأجد كل الوقت لأكتب عنك.
كأسئلة كثيرة تعودت أن أحملها على ظهري حين لا أجد لها أجوبةً عسى أن تجد بنفسها طريق اليقين يوماً،
وأنا السؤال الذي حير اليقين دهراً كاملاً.

كنتُ أودّ أن أبدأ رسالتي ب:
اشتقت إليك،
كما لو كنتُ قريبةً منكَ كثيراً، كما لوكنتَ تتمنى أن تراني أكتبها لك للمرة الألف.
تساءلتُ إن كان لديك ما يكفي من الوقت لتشتاق إليَّ !
هل سيأخذك الحنين لحظة تتساءل فيها: يا ترى ماذا تفعل الآن؟

سؤال ساذج لكنه لو تعلمْ كم يغير من الأمور الكثير.
كم رائع أن يتساءل أحدنا في قرارة نفسه عن حال شخص عزيز، أن يضع قلمه جانباً لثانية واحدة ويسأل يا ترى ماذا يفعل الآن.

كم مرَّ على ذلك اللقاء؟

شتاء الثورة وربيعها فصلان غير منفصلين من فصول الحياة، ما عدت أدوّن أيام الثورة على أجندتي الثورية التي أهديتها لي في أواخر ديسمبر تيمناً بمن أحرق نفسه، قلتَ لي يومها وأنتَ تقبل ثغري: كل عام وأنتِ حبيبتي، وكل عام وأنت تكتبين.

كُنتَ محرضي الأول على تدوين يوميات الثورة، خربشاتي الأولى التي تبنيتَها وأنتَ ترفع حاجبيك ذاك المساء وسيجارتك تلتهم أصابعك وتلتهم أعصابي وأنا أنتظر أن ترفع عينيك من على الورق لتعلن حكمك.

احتضنتني يومها بقوة وأكادُ أجزم أنيَ رأيت دموعاً في عينيك كانت عصيةً فلم تنزل وادعيتَ وأنا أحدقُ فيهما أن السجائر صارت تقتلك وتدمي عينيك.
قلتَ يومها إن البلد يسير نحو أمر هام و” عجلة التاريخ يا صغيرتي تدور بسرعة هذه المرة وطواحين الهواء توقفت”.

لم أكن أعلم يومها أن بذرة الثورة قد قذفت في أحشاء أمنا تونس وأن الأرض حبلى وأنها ستنفجر في يناير.

أجندة الثورة اليوم، تلك التي أهديتني، اكتنزت بورقيات الثورة، مر يناير وفبراير وآذار ونيسان وها آيار قد حل حاملا ثورة مضادة قد أينعت وأزهرت.

وفي آيار تعفنت بعض ثمار الثورة في أغصانها قبل أن نقطفها.

لم تواصل الركض معي في دروب الثورة حملتَ حقائبك ورحلت، أطبقتَ أبواب اليقين برحيلك، فتحتَ بوابات زنزانات حسبتها قد أقفلت بل صدقتُ أنها أقفلت، انطلت علي فكرة أنّ المعتقلات قد أقفلت.

ها هي تفتح اليوم من جديد وأنتَ بعيد عن الوطن.
ما أقسى أن أدخل المعتقل وأجلس على اسمنت الزنزانة البارد وأسمع صرير أبوابها وأنتَ لست معي.
ما أقسى جدران الزنزانات حين تحتضن نهدي امرأة
تسقط الأنوثة عند قدميّ مبعثرة.
وأنت أين أنت؟ تراقب الوطن من بعيد وتكتب عنه من بعيد وتبكي في صمتك ووحدتك من بعيد.

******

وصدقت الرؤيا.

في شهر آيار لا نحتفل بالحب.
في شهر آيار تتغير فصول القصة.
قصتي وقصتك، لا شيئء يحدث على الإطلاق عدى أن الكلام صار أقل بيني وبين نفسي والرسائل لم تعد تأتي من ديارك إلى المعتقل، معتقل قلبي وفكري وجسدي والاتصالات ماتت ودفنت.

صرت أحتسي قهوتي في شرفات الذكرى.
حتى فنجان القهوة يفضحني حين أرفعه إلى شفتيّ وصورتك فيه وأمي تطلق تنهيدتها وهي ترى قهوتنا التي بردت. ما أقسى أن تبرد القهوة وتجف في فناجينها يا سيدي.
أمي “تعتل همي” وأنت بعيد، وهي ترى حملي يثقل وأنت بعيد.
الجنين الذي زرعته في احشائي على نخب 14 يناير،
فصار كل الوطن يحتفل بحملي.

جنين الثورة ربما يرى النور وأب الثورة في غياهب النسيان يحترق بنكسات الثورة بعيداً.

أمي، بردت قهوتنا يا أمي. أشكوك الى أمي كلما رسمت وجهك في فنجان القهوة
طقوسي التي تعرف ألقنها لطفلي وهو في أحشائي
لا يعرف وجهك لكنه يتعرف على وجهك تماما مرسوما في فنجان القهوة.

**********

حين تتوقف رسائلك أصير بلا هوية. بلا هوية أنا الآن
عدى رقمي في المعتقل، مثل الكثيرات من بنات الوطن، ركضن أميالا وأميالا في دروب الثورة
وحين سقطن إعياء، اعتقلن.

البعد صار أكبر
ولم أتوقف عن السؤال يا ترى ماذا يفعل الآن؟

رباه ما أثقل حملي
رباه ما أثقل حملي
رباه ما أثقل حملي

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

4 ردود على ثمار الثورة تعفنت في أغصانها

  1. مي احمد كتب:

    الم يكن هذا اليوم مريرا لتكسبي المرارة بعدا اضافيا ؟ ….. آه من الأحمال … آه من هذا الخوف الملازم على هذا الوليد الجديد الذي احتضنته احشاء الوطن … ربي احرس هؤلاء الرضع .. ثوراتنا من القتل والمرض.

    وجد .. كيف وجدت بقعة غير دامية لتدميها في هذا القلب؟

    احتضنك يا بنيتي ونبكي معا علنا ندفع بهذا اليكاء لنشتري سلامة الثورة والوطن …. تونس اراك سالمة ابدا !

  2. nasser كتب:

    i don’t have to tell you that you are a great writer because you already know that, but if you let me, i would like to comment on the technical part of your writing.
    firstly, you have a great command of the words that gives your reader a vivid image of the story you are telling. to the point that reader will, at one point, reach some sort of poetic Ecstasy. but in terms of content….
    , you give great fictional -mostly romantic- accounts through real life political time lines and series. …. Mario Vargas llosa would be very proud of you i am sure.

    but on a side… note… writers and poets are byproducts of their circumstances and it seems that your own stories with romance have affected you deeply…..its clear that you are an idealist, even in your romance. and it seems, and i might be wrong, that those romantic adventures have been ….. well , lets say under your expectations. there is many account and references to female sacrifice not just for the land or the revolution but also for the man… which is great… but you also place men on some sort pedestal…
    it obvious that in this one you are referring Tunis and its men whom you proud of but also upset with…
    but in other pieces you have written before ,you give men much more credit than they deserve.

    there is nothing wrong with that at all… maybe its part of your empathy which you feel for love…. and i dont have the right words in which i can express my appreciation and admiration for what you feel….and write
    it was just that i was not used to reading such accounts from a woman… maybe because NYC is a place where men and women interact with each other on the bases of convenience and there is no desire to sacrifice ….. because the common belief is that everyone is disposable and replaceable

    you already have sacrificed enough… and i know you will sacrifice more.. for worthy things like Tunis, your work, your believes , or woman that is hurt or hungry orphaned child… but for men my dear…. you shouldnt bother…. men , not all , but most are not worth of your godly sacrifice…. they come a dime a dozen

    keep writing,….. every morning i wake up my soul with your words,…and my conscience with your revolutionary tweets

    . ,

  3. ياسر على كتب:

    وَجْد.. رغم أن عاطفتك جيشاشه وكلماتك تفيض بالحب والرومانسية والعشق رغم ان النص توجب ان يكون تراديجيا ولكت استطيع أن اقول لكى انكِ تعرفين هدفكِ وطريقكِ وتتبعين ذلك الخيط لتقفي بنا على حافية الهاوية لنرى عمق المشكلة التى تواجه كل من يتصدى لتحقيق أحلام الناس أو بعض احلامهم..
    أنتى أديبتى العربية الحية من الآن….

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s