الحورية

ركبتاي العاريتان تدميان ببطء من تحتي, يد صغيرة على كتفي تهزني برفق حتى اعتدل في جلستي غير المريحة ولا اسقط في البحر, اشد الخصر النحيل البارد اكثر واكثر… ليتني اقع في البحر واتحول الى زبد بحار , الى محارة , الى اي شيئ اخر عدى ان اكون …انسانة …أو بالأحرى إمرأة

اساطير كثيرة تكسر فيها افئدة الاميرات والفتيات العاشقات الفقيرات

بعد كل هذا العمر ما صرت أميرة وما عدت عاشقة بل صرت فقيرة في كل شيئ, زاهدة في أشياء كثيرة, وفي عواطف كثيرة, زاهدة حتى في تلك الذكريات التي كنت ألتجئ اليها لاستمد منها قوتي وأعاود بها الحياة

فوق تلك الصخرة الرخامية السوداء الرابضة في مرفأ العاصمة كوبنغاهن ألقيت بنفسي قبل اكثر من ثلاث سنوات واحتضنت جسمها الجامد التصقت بها اكثر واكثر حتى غطى شعري الاسود صدرها العاري
شدة الوله تتحول أحيانا لحظة اللقاء إلى شعور بالصدمة الأولى والصبر عند الصدمة الأولى…وها أني بعد هذا العمر أجلد وأنا أراها أمام ناظري وقد اختطفت منها الحياة , جامدة وليست ساكنة , حالة مروعة أكثر من الموت

هكذا اذن تحولت ايتها الحورية الصغيرة الى مجرد تمثال صخري يقبع في وسط البحر, متعة فرجوية لالاف السياح مقابل كرونات قليلة
يعودون بعدها الى اوطانهم حاملين صورا تذكارية لك ولهم وهم في احضانك

انت التي غادرت الحياة عذراء بل واكثر من ذلك بكثير …ها أنك تمارسين التعري ليلا نهارا في الحر والبرد تحت المطر والثلج وعلى الملأ رغم ارادتك , من يا تري يسألك رأيك وأنت جامدة , تمثال لا حياة فيه

ويحك مجرد تمثال بارد اذن يربض منذ عقود في مرفأ ناء تطوله الايادي العابثة للمكبوتين والانامل الطاهرة للاطفال الحالمين …يا للسخرية تحت ذيلك تنام الطهارة والعهر المازح

ذيل يثير الشفقة, يطل من تحتك والعينان لا تتوقدان باي حالة من الاحوال باي شيئ يوحي بانك كنت تحيين في يوم ما وبان قلبك كان ينبض بقوة داخل صدرك الصغير …بالنهاية انت نصف امراة ونصف جميلة ونصف ذكية ونصف عاشقة ..
لا كمال فيك اطلاقا

اعتقدت ان الحب سيرفعك الى مرتبة الالهة لا بل كنت زاهدة في ان تصيري الهة
تضحين من اجل شخص واحد لا يراك ولا يحلم بك
تشفقين على الذيل الذي يصيرك اقل جمالا من اقل امراة قبيحة لها قدمان وساقان

أعلم …أعلم جيدا انه من الظلم ان يتحول جمالك الساحر الى أقل من الحد الأدنى المسموح به لاي امراة عادية حتى تحب…لكنك مختلفة مختلفة جدا عن عالم حواء

كان ينقصك الدهاء والخبث والغيرة النسائية وشيئ من العهر المحبوب عند الرجال وسنحة من الوقاحة التي ربما كانت لتشفع لك …لكن ان تحبي وتضحي …ترهات خزعبلات لا تليق باميرة ولا بعاشقة تستحق ان تواصل الحياة

هل تتحول شدة الحب في لحظة ما الى شعور جارف بالشفقة؟
الموت افضل لك صديقني
حسنا فعلت بان القيت بنفسك في البحر قبل ان تحبي لمجرد انه كان لك الفضل في انقاذ حياته

الكثيرون يواصلون الحياة بدوننا وبشكل جيد ايضا..فلا تعتقدي انك ان واصلت الحياة بدون من تحبين سيشعر اي كان بوجود اختلال ما في منظومة الحياة

وها انك تؤكدين ذلك …تمثال عار فوق صخرة عارية في مرفأ كالصقيع

تتصاعد من ورائي أصوات ثملة للبحارة العائدين للتو من جولتهم اليومية
تستعجلني نهى في المغادرة حتى نصون بعضا من كرامتنا
بالنهاية ما المرأة دون نذر ولو قليل من الكرامة ؟
يتبع

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على الحورية

  1. rany كتب:

    نص جميل، احببت الاسلوب والتعبير. قليلاً من التشكيل لأواخر الكلمات قد يجعله اسهل للقراءة. 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s