الحورية 2 – فلاش باك

مقعد غير وثير لكنه قريب من النافذة, قريب بما يكفي ليجعلك تشعر بانك في الخارج, رغم البرد القارس يطمئنك بانك لن تتقاسم شيئا مع عشرات المسافرين على متن هذه الباص التي تقلك الى البيت. انفاس باردة تنفثها من روحك قبل شفتيك, تلصق وجهك الى زجاج النافذة المتجمدة, يتصاعد البخار, وتتصاعد معه صور من الماضي واخرى من الحاضر

صور كرتونية واخرى بالابيض والاسود شيئ من الخيال يشوبه الواقع وتقره الحقيقة

الذهن الشارد كثيرا ما يفاجئك بفلتانه الخارج عن السيطرة, يقودك الى ازقة ذهنية ضيقة متشعبة, لكن على غرابتها هي منك ولك

هي بنات افكارك كما يقول العرب القدامى …

اعود بالذاكرة الى الوراء… ذهني غير شارد بل مستيقظ في اعلى عنفوانه الفكري …يقظة فكرية وروحية نادرة من وحي لحظة نادرة

انا كذلك في الباص في مقعد غير وثير لكنه قريب من النافذة بما يكفي حتى لا اتقاسم شيئا مع احد, الجو حار في الخارج وانا في الغربة في غربة روحية نادرة زادتها رمال الصحراء المتناثرة على الزجاج قسوة

كيف لا وهي تصدر ازيزا تصطك له الاسنان

لا اخشى شيئا بعد قفار الروح ها انا بين قفار الصحراء

في النهاية انا اتيت الى هنا بمحض ارادتي لادفن الحزن بعيدا عن اعين القبيلة …في ما يشبه عملية الوأد …

ابحث عن وحدة قاسية في ديكور قاس مقفر غير انساني صور بالاصفر اكثر الالوان التي امقتها …حتى تكتمل الصورة الدرامية هكذا سيكون من الأيسر أن اتخلص من جميع الحواس مرة واحدة …الصحراء افضل مكان لوأد البنات وحب البنات وقلوب البنات …

في لحظة قاسية مقفرة مع نفسي , اشعر بالمقعد المجاور لي يمتلئ..حضور مفاجئ غريب

يأتي على حين غفلة لكنه حضور دافئ

هل ارحب به وسط الجو المقفر اصلا في الداخل كما في الخارج ؟

مسافة امان تفصلنا رغم مقعدينا المتلاصقين تقترب الايادي لكن لا تتلامس ابدا

ابتسامة عابرة لكن دونما تكلف

اشد الفؤاد الى الخلف …الدفء المجاور لي منذ ايام اراه من بعيد يقترب احيانا ثم يعاود الابتعاد

مكر مفر مقبل مدبر كجلمود صخر ….

العين تبصر والعقل شارد فلن يلتفت الفؤاد اذن

لا ادري في اي لحظة زمنية التفت الفؤاد. لحظة قررت انت بعد حوار قصير النزول من الباص على حين غفلة, تركت المكان الذي ملأته بدفء عابر شاغرا كما القلب الذي كنت تجلس الى جانبه

كلمات تسمعني اياها في اول حوار ثنائي بيننا لا تشاركنا فيه المجموعة …كلمات قصيرة عابرة دونما وعد بالمطر كما قلت ….وغادرت المكان ..

المكان صحراوي اساسا…من اعطاكى الحق لتزيد من قفاره

سيناريو ميلودرامي

اسخر من وجداني العابر بين كهوف القلوب …قلوب جوفاء

الكزه كمن تضرب طفلا قليل الحياء

يسخر مني واسخر منه

كما رحلت بنزولك من الباص دون سابق انذار

قررت انا جمع امتعتي ومغادرة الصحراء…القفار يولد القفار والكثبان ترث كثبانا رمال تجرد روحي من اخر شعور انساني

عملية الوأد تمت بسلام

والقلب سالم معافى سيعود بضمادات صغيرة لا تظهر للعيان

هكذا طمأنت نفسي

حضورك المفاجئ في قلب الصحراء هل كان سرابا؟

يسالني الفؤاد العائد للتو من غيبوبته فاكتم انفاسه

اهدده بالرحيل بعيدا ان لم  يلزم الصمت

وكنت عند تهديدي

ورحلت …على حين غفلة …

كان اسرع قرار اتخذه في حياتي ..

شيئ يشبه اساطير الاولين حين تقرر الفتاة المتشردة العودة قبل منتصف الليل الى البيت حتى لا تتحول الى كائن خرافي غير انساني

اساطير كثيرة تكسر فيها افئدة الاميرات والفتيات العاشقات الفقيرات

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على الحورية 2 – فلاش باك

  1. ياسر على كتب:

    وهل تعذيب النفس عدالة؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    وهل الوأد فى حد ذاته عدالة؟؟؟؟؟؟؟
    العداله ليست مجرد ان تأخذ شيء من هناك لتعطيه هناك؛ العداله فى جوهرها توازن عميق بين الدوافع هنا وهناك، وتفهم بالغ لحركة هذه الدوافع.
    أما انتى هنا فأنا التمس لك العذر -التى لم تصفيه لي انتي- في حدوث هذا الخلل فى توازن العداله …وهذا الخلل جعلك تقومين بوأد العدالة (ظلم نفسك وتعذيبها) وتقييد الحرية ( بحثك عن الوحدة القاسية ) ..وقد يحدث ذلك ..وقد يقوم المظلومون أنفسهم بعملية ختان للعدالة والحرية تنتهى بمصرعمها …!!
    رائعة يا وجد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s