ابي

الموت يزورني مرة اخرى امد له يدي فلا ياخذها, يتطلع الي في صمت , يشفق علي, يامرني بان اجهز نفسي, ساحترم رغباته دونما مقاومة اني منهكة ساحضر الشمع منذ الان حتى لا ينطفئ على حين غفلة , اني اخشى الظلام منذ صرت شابة , تركت كل الشجاعة ورائي,,,
كل موت يستدعي الموت الذي سبقه …اراهم كل الذين رحلوا ذات خيانة , كلهم يسيرون الواحد خلف الاخر وياتون الي …زرافات ووحدانا …ويحكم …كم صار عددكم
صرتم اكثر من الاحياء المنتشرين ذات اليمين وذات الشمال

يأتيني الخبر وانا امشي في حديقة المشفى تحت قرص الشمس ذات يوم أحد من شهر يوليو ,,, أرى عمي يأتي الي بخطى ثقيلة ,ووجهه الوسيم وراء نظارات كبيرة واجم تعالي صغيرتي يقول لي ,,يحاول ضمي اليه فأفك نفسي بقوة ,,أنهره بقوة لا تقل شيئا ,,اصرخ في وجهه ,,لا تقلها ,,لا تعد النطق بها والا انت لست عمي ,,لا احبك

لا وقت للصلب الان , ما عادت في قطرة دم واحدة
لا أدري كيف تحولت في لحظة الى كتلة من نار تعدو على سلم المشفى
أبي لا يموت ,,أبي عصي على الموت ,,لا يمكنه أن يموت ,,لقد وعدني بانه لن يفعل

وعدني ,,أبي وابي رجل لا ينكث الوعد أبدا
الكل ينتحب عداي أنا …الكل يتهاوي عداي أنا
أريد أبي الان أريد أن أراه

في لحظات تحول المشفى الى قاعة بث دراما واقعية ,,أختاي على الأٍرض
والطاقم الطبي مذهول ,,البعض يداري وجهه ,,,
وانا ,,انا لا أبكي صلبة مثل الصخر ,,الغضب اقوى من الحزن ,,أطالب فقط برؤية ابي ,,
انه ابي ,,
وانا وجد ,,حبيبته ,,صغيرته ,اخته ,,صديقته ,,,انا من يتآمر معها ضد ماما
وضد الجميع
في حركات طفولية وحده هو وانا نعرفها

لم أنهار ,,الا لحظة غطوه بالعلم ,,
علمت حينها فقط أنه رحل حقا ,انه رحل بالفعل وترك وجد
لحظة رأيتهم يلفون العلم فوق نعشه ,,وهو يغادر البيت ,,سقطت ,,كدت أرى كل الوطن تحت قدمي معي ,,ينهار ,,ينهار وهو يرى ,,من أحب الوطن حتى الموت ,,قد مات فعلا

ابحث عن شعري الاسود الفاحم لاقصه استدعي كل طقوس العجائز وهن ينتحبن واشهر السخط في وجه من يمنعني

لا وطن من بعدك يا ابي لا ارض من بعدك يا ابي ,,اي وطن كان ابي سيختار ليرحل اليه رحلته الاخيرة وهو يدخن سيجارته الاخيرة؟
اي قبعة تراه كان سيلبس لو خبروه ان يستعد؟
اخر كلمة له ,,كانت قبل رحيله بثمانية واربعين ساعة ,,على سرير ذلك المشفى الذي ذهب اليه قسرا ,,شد يدي بقوة وانا جاثية على ركبتي اداعب شعره الفضي ,,لا تتركيني بين أياديهم ,,لاتتركيني يا صغيرتي ,,سانطفئ لو تركتيني هنا

ويلي ,,
رباه
ويلي
رباه
صرت انا الاب
وابي هو الصغير
كيف تصير تلك القوة ذلك الهرم ,,في لحظة ,,وهنا ,,خوفا ,,رعشة طفل يحتمي ,
وغاب ابي ,دخل في غيوبة لمدة 48 ساعة بعد اخر جملة قالها لي لا تتركيني ,,
جملته الى اليوم ترن في اذني مثل جرس كنيسه يدق بداخلي بكل ورع
لمدة 48 ساعة كنت في غرفته أتلو القرآن عند قدميه ,,وانا ارى جسده مشدودا الى الات
وانا ارى ذلك القلب الذي علمني الحب ,,مشدودا الى آلة تتحكم به
لمدة 48 ساعة كانت هي الاخيرة من عمر ابي ,,ومن عمري السابق ,,حدثت ابي بكل اللغات ,وغنيت له ,وقرأت له الشعر ,,
بكيت وضحكت وبللت شعره بدموعي
ونظرات الشفقة من عيون الاطباء وانا افعل ذلك كانت تثير غضبي
لا تشفقوا علي ولا عليه
سيصحو ,,سيقف سترون ,,ابي هرم لا يميل لا ينقلب لا ينهار

لا ادري في اي لحظة قرر ابي الرحيل
وانا لست في غرفته المعقمة لا ادري كيف باغتني ورحل حين كنت امشي في حديقة المشفى اطلب هواء لرئتي اطلب صلوات ارسلها الى الله ,,ارسلت الى الله ورقا صغيرا مع الملائكة وكتبت فيه امنية واحدة
رباه ,,لا تحرمني من ابي
رباه خذ مني ما شئت ولا تحرمني من ابي
لكن الله لا يقايض احدا على الحياة والموت
صلواتي لم تنفع وتراتيلي بكل اللغات لم تنفع وضعفي ووهني امام الله لم ينفع

رحل ابي ,,توقف ذلك القلب الجميل الذي علمني حب الوطن وحب الارض وحب العباد ,,توقف كل الحب في قلب ابي ذات يوم احد ,,كان يوم عيد ميلادي
يا لسخرية القدر …

رحل الغالي يوم مولدي ,,تلك كل القصة ,,
كيف أتى بي الى العالم ليرحل بذات التاريخ بعدها بسنوات
لم اتوقف عن طرح السؤال كلما جلست عند ضريحه أسال وانا ارى تاريخ وفاته على ذلك الرخام البارد ,,,,اكره ذاك اليوم الذي ووري فيه الثراء ,قلت لهم وهم يحملون نعشه ,,ابي لا ينام في العراء ,,أبي لا يحب العراء ,,فكبر الرجال لسماعي الله اكبر الله اكبر ,,كأني كفرت ,,وانتحبت النساء لسماعي كأني أذنبت

لكنكم لا تعرفون ابي ,,انا فقط احفظه عن ظهر قلب ,,اعرف كل قوته وكل ضعفه ,,

سنوات مرت على رحيل ابي وانا ,,انا ما زلت البس جلبابه المغربي الابيض ,,المقلم بخطوط سوداء ,,جلباب ابي يكاد لا يفارقني ,,البسه في كل الفصول
اني احب الحياة في جلباب ابي

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to ابي

  1. SHHafez_jan25 كتب:

    لم أحتمل قرائتها مرتين. تلك العلاقة الفريدة بين الفتاة وأبيها التي نعرف نحن الفتيات الشابات مذاقها تجسدت بقوة كبيرة بين السطور؛ وما آلمني هو ما خالطها من ألم دفين وحزن بيّن. أتسائل أحيانا هل تحمل كل فتاة بين طياتها عقدة إليكترا؟ أم أن الأمر هو أن للأب بصمة لا تمحى من حياة صغيرته؟ أعشق والدي أيضا 🙂 نحب أن نرى الدنيا من خلال عيونهم, ونبحث بين الرجال عن نظائرهم. شكرا على مقالتك الرقيقة كملامحك 🙂 ولم أنسى قراءة الفاتحة له 🙂

  2. Khaled كتب:

    كلام جميل ومن القلب وذكرني بامي وكيف كانت بيننا لغة خاصة لا يفهمها سوانا…..الله يرحمهم جميعا رحمة واسعة ويدخلهم الجنة مع الصديقين والنبيين والشهداء

  3. ياسر على كتب:

    حسبى ان أقول لكي ما قاله الفرزدق ( مع الاختلاف التام فى الموقف والمغزى ) :
    أولئك آبائي فَجِئْني بمِثلهم… إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجامعُ
    و ما قاله محمود درويش: وسنبلة قد تموت … لكنها ستملأ الوادى سنابل…
    رحمة الله على أبيكى..واسأل الله العظيم ان يدخله فسيح جناته وأن يجمعنا وأياه فى الفردوس الأعلى..إنه ولي ذلك والقادر عليهز

  4. Nadia كتب:

    أسأل الله العزيز القدير ان يرحمه ويرحم ابي ويرحم كل الاموات..
    كم تمنيت لو كان أبي حيا عند اندلاع ثورة 14 يناير، وكم تمنيت لو كان “عم منصف” حيا ونسمع رأيهما ومواقفهما مما يصير الآن في وطننا الغالي…

    كيف كان يمكن ان يعلقا على كل ما يحدث؟

    واحسرتاه!

    أستغفر الله العظيم وإن لله وإن إليه راجعون…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s