ترانزيت

لماذا يصطفيك التاريخ ليحملك أمانة الأرض؟
لماذا تصطفي الجغرافيا شعبك فتورثه أرضاً يحتلها غاصب ؟ قدرك أنّك فلسطيني ورثتَ الأرض وما عليها أرضاً التاريخ فيها أكبر من الجغرافيا.

ترانزيت. ستنطق بهذه الكلمة أكثرَ من مرة وأنت تعبر طريقك نحو أرضك قادماً إليها من بلد بعيد، ستعبر جبالاً وأنهاراً  وسهولاً، ستقطع آلاف الأميال لتصل، لا شيئ يهزك كحنينٍ لوطنٍ يكبر فيك وأنتَ بعيد.
في الصباحات الباردة، في مدينتك الغربية، تحمل الوطن تحت معطفك الشتوي تعبر به الطريق بخطوات سريعة، تضع يديك الباردتين في جيوب بنطالك وتمشي به طويلاً طويلاً.

الوطن ينبت في صدرك شجرةَ زيتونٍ باسقة، معجزة أخرى متأخرة ،شجرة زيتون فلسطينية في مدينة باردة كالصقيع، مدينتك قاسية تحت الثلج حين يتدفأ الوطن بدماء الشهداء، في انتفاضات مختلفة، وترتوي أرضك البعيدة العطشى بالدماء، تختنق الدموع في الصدر قبل العينين،
كل شيئ يدعوك إلى العودة. الأرض تناديك بصوت لحوح أكثر من أيّ مرة

——————
بيت أيّل
الفجرُ يتثاءب عند قدمي فلسطين وأنتَ غير مستعجل سوى على الوصول .الوصول إلى الوطن لا يحتاج موعدً مسبقاً فالعشاق دون مواعيد يذهبون إلى الحلم. كم من مرة وقفتَ عند بوابة مقر التنسيق الأمني
و المخابرات العسكرية؟
موعد غير رومانسي تمقته لكن لا بد منه حتى تصل إلى أرضك.
صريرُ البوابة الحديدية، سيف حاد يقطع العقل نصفين والروح تعزف بكل أوتار الشوق تهمس لك بالتحلي بالصبر، لا تتأفف توصي نفسك لا تترك أحداً يستفزك.

تدخلُ ومعك يدخل الوطن تطلبان إذناً بالعبور. الزيتون والسنديانة وخبز تنور جدتك وشفاه الصبايا المعتقات بكروم رام الله تدخل معك، في بزاتهم العسكرية يقف الجنود بانتظارك، أنت الآن وحدك في مواجهة عسكر المحتل، لكنك تعودت عليهم وتعودوا عليك.

المراقبة شرٌٌ لا بد منه، دون تحياتٍ تسلم هويتك للجندي يضعها على الكمبيوتر فتفصح بكل تفاصيلك: اسمك ولقبك وأسماء عشيرتك وطبقك المفضل وأرقام عشيقاتك، في لحظة تصبح هويتك مباحة للنبش.

إن رضوا عنك يعطونك إذناً بالدخول عبر بوابة حديدية، تعبرها بخطًى رصينة، تقنع نفسك “بأن الكلاب الواقفة وراءها لن تنال منك”. في بيت أيّل، بيت الله، أرض يعقوب وسليمان، التاريخ ينحاز إلى بيت أيّل والله أيضاً.

كيف تحولت مدرسة الأنبياء إلى ساحة تفتيش إسرائيلية؟ ساحة في العراء يقرعها جند الاحتلال بأحذية عسكرية جيئةً وذهاباً…يفوح الخبز المحمص الذي تعده جدتك، تبتسم وتتجه إلى شباك آخر، يستلم جندي آخر هويتك وتنتظر..
في كل ترانزيت تتعلم نعمة الانتظار، بالنهاية لا خيار لديك سوى أن تنتظر، هويتك بين أيديهم يدققون فيها وفيك، بعد دقيقة أو ساعة أو عشر ساعات لحظة يقرر الضابط الإسرائيلي سيشيرون لك بالدخول فتدخل
و تفتش إلكترونياً وجسدياً ولن تحس بشيئ عدا لباس الفصول الذي يعتريك وأنت تراهم يفعلون. الفجرُ ما عاد يتثاء،  الفجرُ صحا وصاحت كل الديكة والسنديانة تنفض نفسها وهي تغتسل بشعاع الشمس و أنت واقفٌ تنتظر.

لا سوابق لديك، ربما سيعاملونك باحترام.
يسألك الجندي عن أبيك فتغتاظ، حرارة ترتفع بداخلك تغمرك فجأة، كل شيئ يؤول عند الحواجز: حركات الأيدي وخطى الأقدام وتقاسيم الوجه حتى العين حين ترف تصبح سلاحاً في وجه العدو، يقول لك الجندي إنه يعرف أنّ أباك مريض، يبتسم في لؤم وهو يراك صامتاً ويبدأ التحقيق
من أنت؟ و ماذا تعمل في الخارج؟ هل لديك ميول تنظيمي؟ و ماذا تعمل الآن؟ ما رأيك تشتغل معنا؟ تريح أباك و تحصل على دواء؟ شو قلت؟ يقول لك بلهجتك؟

يا لسخرية القدر، لو كان لديك الخيار لترسم البداية لكان التاريخ مختلفاً الآن، لما سألك أحد وأنت تعبر أرضك، لما كان هناك حاجز ولا قبعة جندي واحد.

تستحضر كل لؤمك وسخريتك وتقول له: أنا أصلاً أعمل معكم.
يرفع الجندي حاجبيه في استغراب ويقول لك: منذ متى؟
تجيبه: من زمان.
يسألك في استغراب أكبر: كيف؟ و مع أي مكتب؟
تقول له: ليس مع مكتب، أنا الآن أقف أمامك ولا أفعل شيئاً ضدك
إذن أنا أعمل معك، معكم.

 يحدث أن يفقد الجندي صوابه وأنت تستهزئ به، لكنك واقف الآن على أرض محتلة لا يحق لك الاستهزاء، ستدفع الثمن ياصغيري. حسناً، يجب أن تغادر اليوم يجيبك الجندي.
يأخذ هويتك ويسلمك تصريحاً بأربع وعشرين ساعة فقط.
عليك مغادرة  رام الله خلال  يوم وإلا  لن ترى رام الله أداً وممكن أن تسجن،

أمضيت أياماً وليالٍ وأنت تمشي لتصل إلى أرضك عابراً ثلاث قارات وحين وصلتَ يسلمونك تصريحاً بأربع وعشرين  ساعة هي كافية لتقبل أمك لتحضنك في صدرها، هل تكفيها لتشمّ رائحتك، لتداعب شعرك، عَل تكفي هذه الساعات أباك لينظر إليك بطرف عينه وهو يجلد حتى لا يبكي ويوصيك بأن تبقى رجلاً؟

رائحة خبز جدتك لن تشمها هذه المرة، كل الروائح مؤجلة إلى ترانزيت آخر. شال جدتك الذي ينتظرك لن تلاعبه ككل مرة هو الآخر سينتظرك حتى تأتي في ترانزيت آخر. دربك طويل يا ولدي، ستعود إلى مدينتك الباردة حاملاً معك غيوم الوطن والفجر الذي تركته يصحو وراءك.

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to ترانزيت

  1. SHHafez_jan25 كتب:

    اااااااه ماأقصى مرارة الانتظار. حتى الأدب لما يخالط الواقع يرتد مؤلما مثله. صورت معاناة الفلسطيني بكل قوة. انا الان لا افعل شيئا ضدك اذن انا اعمل معك, تلك العبارة ذبحتني؛ فهي لا تنطبق على من هو فلسطيني فقط, وإنما على كل عربي. هي صفعة على وجناتنا لعلنا نستفيق.

  2. مجدى الصيرفى كتب:

    تكشفين عن جروح الفلسطينىين بقسوة رقيقة -تصفعين القارئ بكل أدب. دعينا نتذوق معاناتهم. مثلما نشاهد مقاطع فيديو الشهداء الذين خرجت قطع مخهم من دماغهم-نراها فتطعننا فى روحنا عسى أن يخرج منا مناضل يقتص لهم

  3. ياسر علي كتب:

    آه … ما أقسى ذلك الفراق وصدق الشاعر الذى قال
    وتلفتت عيني.. فمذ بعدت عني الطلولُ …..تلفت القلبُ !!!
    أما بالنسبة للشعور بسرعة انتهاء الزيارة فربما يكون شعوره هذا هو نفس شعور اخى عندما كان يأتى لزيارتى بالمعتقل.. فكانت رحلته أكثر من 14 ساعه يقضيها بين القطار والمواصلات العامة …ثم يأتى ليتم تفتيشه وتفتيش كل شىء بحوذته حتى الطعام الذى كان يأتينى به…ثم ينتظر أكثر من ساعتين فى وهج الشمس منتظراً دروه.. كل هذا من أجل نصف ساعه فقط يقضيها معى قبل ان نسمع صافرة الشرطى التى تنذر بانتهاء الزيارة.. نصف ساعه صاخبه لا نكاد نسمع بعضنا من عظم الموقف وأنات أهالى المساجين حولنا..وصراخ الأطفال الرضع الذين أتوا ليرووا حنين ابائهم إليهم..وركض الأطفال الصغار الذين تم اقناعهم حتما انهم ذاهبون الى الملاهي..والله كانت عيني اخى خجولتان من ان تنظر الى عيني ..كيف ينظر الي وهو عاجز على ان يأخذنى من يدي ويخرج بي من هذا المكان الكئيب المظلم..اتذكر مرات التقت أعيننا فتفاعل القلب وأجهشنا بالبكاء .. قال لى .. اقترب الفرج واقسم على ذلك!!!…

  4. Hala Ghattas كتب:

    آه ما أرقى قسوتك الرقيقة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s