تأملات في المنفى- سقيفة أبي خالد

تأملات في المنفى – سقيفة أبي خالد

خمسيني بوجه طفولي , لولا الشاربان اللذان يخفيان جانبا من ضحكته التي يطلقها في أرجاء المقهى كلما عادت به الذاكرة الى مفارقة ساخرة مرت به في حياته.

نادر شهاب واسمه الحركي أبو خالد فلسطيني مقيم في تونس منذ اكثر من عقدين يتحدث التونسية بلكنة فلسطينية أو العكس ربما.

الرجل قيادي في منظمة التحرير الفلسطينية مذ كان يافعا مهمته التعبئة في أوساط الفلسطينيين الشباب في المهجر,,مهمة قادته من الاردن حيث ولد الى سوريا ومنها الى لبنان فليبيا ثم تونس حيث استقر وتزوج من تونسية .

حمل ابو خالد هموم وطن لم يره وأحلام شعب أكثره في الشتات ,لم ينهكه الترحال بقدر ما أنهكته الصراعات الداخلية الفلسطينية.

في ركن ركين من مقهى ” السقيفة” في حي النصر أحد ضواحي العاصمة تونس أقام أبو خالد ” معسكره ” الذي يضم رفاق دربه من الجالية الفلسطينية في تونس وبعض الكتاب والمثقفين العرب المقيمين في تونس.

تقول صاحبة المحل إن أبا خالد وفي للمنضدة ذاتها وللكرسي ذاته ينتظر ككل مساء أن يكتمل النصاب على الطاولة ليبدأ ورفاقه رحلة الثرثرة في مواضيع شتى : كرة القدم, التطورات في الاراضي المحتلة ,,حفل فيروز في دمشق ,,

يحدثني نادر شهاب وهو يطفئ سيجارة ليشعل أخرى عن الكرسي الشاغر أمامه ,,مكان محجوز للغائب الحاضر دوما أبو ابراهيم قيدوم الفلسطينيين في تونس الذي رحل منذ شهرين الى سوريا وبشكل نهائي ,,,”غلاء المعيشة في تونس هو السبب ما عدنا نقدر ” ,,,تموت بقايا الجملة بين شفتي الرجل ,,لعله الكبرياء الذي يجعله يتحاشى الخوض في تفاصيل الظروف المادية الصعبة التي يعيشها بعض الفلسطينيين في الدول العربية نتيجة الحصار المفروض على غزة والذي منع طيلة أشهر وصول الاجور الى أصحابها.

بمراوغة قيادي محنك ,يغير نادر مجرى الحديث ليحكي لي عن ” تاريخ النصر ”

” تعلمين,, كنت انا وابو ابراهيم وناجي جمعة الدبلوماسي الفلسطيني نأتي مشيا على الاقدام من المنزه الى هنا ‘هذا المكان كان ربى ينبت فها الاكليل والزعتر ,,,يقاطعني مرة أخرى بالنظر ناحية الباب يتطلع في فضول لا يخل من الاقتحام في وجوه الوافدين على المقهى ,يرحب بصوت عال بالوجوه المألوفة ويتمحص في وجوه ” الدخلاء” ,,لا يتردد في التدخل في شؤون النادل ” سامي سامي ,,,شوف المدام شنوة تشرب ”

تبتسم صاحبة المقهى ,,تتركه يتصرف كما لو كان صاحب المحل ,,”إنه يعرف رواد المقهى أكثر مني ” تقولها وهي تضع النعناع في كأس شاي تمده له بايماءة من رأسها وهي تربت على كتفه كم لو كانت تطمئنه بانه سيبقى صاحب المكان في الاول وفي الآخر ..

عن المقاهي التي تمتد على جنبات شارع الهادي نويره بالنصر يتحدث نادر بشيئ من التندرأحيانا وببعض الامتعاض أحيانا أخرى ” لقد رأيتها تنبت كالفقاقيع أكلت كل المساحات الخضراء ولم يوقفها شيئ ” واذا ما سألته عن عالم الليل في النصر يخبرك أبو خالد بصوت فيه تحسر ” التونسي تغير كثيرا نحن فقط نلاحظ ذلك عن كثب لأننا خارج اللعبة “.

خارج اللعبة ,,,والرفاق من حوله قليلو الكلام -على الاقل في حضوري – يتركونه يتحدث باسمهم جميعا في ثقة ,تتحدث ذاكرته الحادة التي يستعين بها كلما أراد أن يعود الى ماض خلا.

لوهلة تستدرجني ثقافته الواسعة وولعه الكبير بالشعر والأدب ,يتحدث بلهجة العارفين لا المدعين ,لكن الرجل لا يحمل شهادة جامعية واحدة وتلك مفارقة اخرى هو الذي درس على التوالي في جامعات سوريا ولبنان وليبيا وحتى تونس ,,لم يكمل أي سنة جامعية فيها كلها ..

ليس الملل ما منعه ,,بل البحث عن دروب أخرى ,,في المنفى ,,

بين اجابة وأخرى ,,يمضي نادر يردد أبياتا من الشعر يستحضرها من عمق ثقافته ,,يستشهد بها في كل مرة على ما يقوله ,,بحكمة واستهزاء وحسرة وكبرياء وجرح أيضا

خليط من المشاعر المتداخلة تنتفض في الرجل وهو يتحدث ,,لكن وجهه الطفولي يبقى مبتسما ,,والضحكة تدوي من حين الى آخر في أرجاء المقهى ,,وهو يضرب على الطاولة حينا بقبضة يده فتهتز صينية الشاي والاكواب ومعها يهتز الرفاق ضحكا وحينا على فخذه وهو يقهقه ,,كلما تذكر قصة طريفة كان شاهد عيان عليها في حياته ,,,والرفاق من حوله يسترسلون في سرد تفاصيل أخرى ويومئون برؤوسهم ,,لبرهة يعود الصمت مرة أخرى الى المنضدة ,,ويعم الهدوء فجأة كل المكان وتستقر صينية الشاي على الطاولة ,,وتستقر فصول العمر أمام الرفاق حين أسألهم عن الوطن ,,من فيكم ولد فيه أو يعرفه ,,,

لا أحد,,الجميع ولد في المنفى ,,في الشتات ,كلمتان قاسيتان حد الوجع ,,للدلالة على موطن مولدهم

هذا حال الكثيرين من الفلسطيينين المقيمين في تونس ,,وفي أراضي عربية أخرى ,,حملوا الوطن فيهم ليزرعوه مثل الاكليل والزعتر في ربى أخرى بعيدة ,,

………………………

هنا ينتهي المقال ,,او البورتريه بالمصطلح الصحفي للكلمة .

البورتريه كتبته قبل ثلاث سنوات وأربعة أشهر بالضبط,,كان آخر مقال اكتبه في تونس قبل مغادرتي لها ,,وكانت آخر مرة أقابل فيها نادر وابراهيم ناجي والبقية ..بعدها تركت الرفاق ورحلت أنا بدوري الى المنفى ,,رحلت الى قطر ,,باختياري وغصب عني أيضا ,,

تركرت وطني لمن لا وطن له ,,يضمونه ويضمهم,,وطني كان حينها يلفظ من يجرح داخله الى خارج حدود الوطن,,دون وداع تركت الرفاق ,,عدى اتصال دامع على الهاتف ,,أستودعك الله يا رفيقي إني راحلة هكذا خبرت نادر ,,يصمت ويخبرني أن ابنه خالد يريد ان يلقي على التحية ,,قبل الرحيل ,أعتذر ,,أعتذر كمن تتهرب من لقاء الدموع بالدموع واحتضان الانكسار للانكسار ,,

أعطني خالد أحدثه على الهاتف ,,جدولي مزدحم ولن اتمكن من وداعكم على تلك المنضدة ,,

صوته البريئ ,,يأتيني من خلف أسلاك الهاتف ,,بصوت مبحوح : أنت ماشية ؟ أجيبه نعم ,,يصمت ,وين ماشية إنت ؟ ماعادش باش نشوفك؟ سؤالان يهزان جبل ,,وانا لا أملك الاجابة ,,لا أعرف ان كنت سأعود أم لا ,,كل ما أعرفه أني صرت مثل الرفاق ,,أحمل حقائبي من مدينة الى أخرى ,,من أرض الى أخرى وأتامل وطني يكبر من بعيد في وبداخلي ..

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to تأملات في المنفى- سقيفة أبي خالد

  1. أحمد خنفر كتب:

    رائع جدا جدا ذكرني بطريقة غسان كنفاني بالكتابه و التصوير و عرض الحاله لكل شخصيه يريد أن يحدتنا عنها و عرض لواقع مع رابط لذكرى مع تفسير للموقف الحالي

    هذا الأسلوب يذكرني بغسان هكذا أحببناه و هكذا كتب لنا و أرخ تاريخ الفلسطينيين

    أكتبي بنفس الأسلوب فأنا أعشقه جدا

    أدامك الرب و عادت فلسطين حره و عربية

  2. فاطمة كتب:

    هذه المساحة التي كانت تسمى جزما وطنا قفزت خارج الأسلاك الشائكة واستردّت حريّتها لم تعد كما كانت ولن تعود وهي بحاجة لكلّ أبنائها لتثأر من الوقت ولتعمّد عروس المتوسّط بحاجة الى أيادي صادقة تمسح عنها جراح الماضي و تزرع في أرضها الخصب الابتسامات عودي ليزغرد الوطن فرحا بلقاء الأحبة وليطمئن الى غده

  3. عبدالوهاب العريض كتب:

    ومن منا لا يحمل حقائبه حتي في وطنه
    وجد
    لم يكن مجرد بورترية عادي بل كان سرد قصصي يتنقل بين التاريخ والأمكنة والمقاهي والحنين،، هذا ما نستطيع تسميته في الصحافة بالكتابة الاحترافية الممزوجة بين الشخوص والأمكنة لذا يمنح المقهي شكل مختلف ويمنح الثرثرة على تلك الطاولة شكل آخر
    فيأتي الغريب يبحث عن الطاولة والشخوص الذين أستقروا داخل النص،، ولم لم تقدمي شرحاً بسيطاً في آخر النص لقلت بأنها قصة تم كتابتها حديثاً وليس قبل 3 سنوات..
    اعادني كلامك للمقاهي في شارع الحبيب بورقيبة والذاكرة التاريخية التي سكنت المكان لنقول كنا هنا.. والتاريخ مر من هنا..
    كل يوم ازداد رغبة بقراءة ما تكتبين بين دفتي كتاب لم اجده في مكتباتنا الفقيرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s