تأملات في المنفى -يوميات في صبرا وشاتيلا

الموت يخيم فوق رأسك ,يخيم فوق أي روح مستلبة وكئيبة وأنت تدخل مخيم صبرا وشاتيلا ..

في صبرا وشاتيلا ,,تتلقفك رائحة الموت قبل أن تتلقفك رائحة الرطوبة والعفونة التي تعم المكان. والمكان خارج الزمن تماما ,,وانت تدخل المخيم وتقفل ابواب بيروت وراءك ,,تضيع نظراتك وتتعثر خطواتك في ازقة شديدة الضيق كثيرة الوحل ,,تصير لا تعرف في اي مكان انت موجود ,انت في لبنان ام في فلسطين ام في أكثر الامكنة بؤسا على وجه البسيطة ..

وانت تدخل المخيم ,,نصيحة اترك كل ما قرأت او سمعت عن مجرزة صبرا وشاتيلا وانت تدخل المخيم انسى دفتر ملاحظاتك ..اترك كل معارفك البسيطة عن المخيم وكل ما قيل لك عن ظروف العيش فيه ,,رجاء وانت تدخل المخيم ان تترك كل مظاهر حياتك اليومية خارجه ,,لان الحياة في صبرا وشاتيلا حياة تشبه الموت ,,او ربما هو الموت المقنع بنَفَس الحياة ..

مجموعة من ثمانية صحافيين يقودنا مدربنا الاميركي ديفيد نتجول في المخيم ,,ديفيد ولأن اسمه يهودي بما يكفي حتى يُكره أينما حل يلازمنا كظلنا ,يحتمي بنا كلما سُئل انت يهودي ؟؟ واميركي ايضا ؟
يتحول استاذ الاعلام المشهور الى فتى يتلعثم , يبتسم , يحزن كلما حاول ان يفسر لشباب المخيم معاداته للصهيونية ودفاعه الطويل عن حق العودة ونضاله من اجل اثبات حقوق ملكية الفلسطينيين لاراضيهم المسلوبة.

بكل أنانية نتخلى عن ديفيد وهو يتحدث لشباب المخيم
نتوه في أزقة المخيم الملتوية الضيقة وهي تنادينا ,أزقة من شدة ضيقها تكاد تدك عظامك وانت تعبرها ,,البيوت او ما يصطلح على تسميته بالبيوت تقابل بعضها حتى تكاد تتلاصق ,,في المخيم ارتفاع السقف لا يتجاوز المتر ونصف ,,

من فضلك انحني قليلا وانت تدخل بيت العم س ,,ندخل فيتكدس المكان بأجسادنا وتتكوم نظراتنا الفضولية ,,بيت او الاصح غرفة تفتح على مطبخ ..رائحة الرطوبة هي الرائحة الوحيدة التي يمكن استنشاقها ,,لا تبحث عن اثاث لان كل الاثاث كنبة وطاولة وتلفزيون ,,ينحني السقف فجأة علينا يكاد يدك رقابنا ,,يبدو ان القصدير فوقنا ينوء ,,هنا يعيش العم س مع زوجته واولاده
الكل في الخارج في ساعة الظهيرة ,,الكل يبحث عن لقمة عيش ربما يعود بها الى البيت مساء
المياه لا تتوفر في المخيم الا من خلال خزانات المياه التي تأتي صباحا وعليها كتب ” حزب الله”
البنية التحتية كلها اجتهاد خاص من فهلوة الشباب وتبرعات حزب الله ,,
والماء مقطوع في تلك الساعة لأن الخزان نفذ ,,لكن العم س يطمئننا أن الشباب سيعبؤونه في أقرب وقت

الكل يمتهن الانتظار هنا ,,لغد قد يأتي وقد لا يأتِ
الرطوبة هي الشيء الوحيد القار والعلامة الوحيدة التي تجمع كل البيوت
,,يقول مدير مركز الاطفال والفتوة في شاتيلا ان معدلات المصابين بالربو في المخيمات تفوق الثمانين بالمائة.

في المخيم حوالي 40 بالمائة من السكان تتراوح اعمارهم بين 6 و 18 سنة.
والمركز هو الفضاء الوحيد لاحتضان الفتية والفتيات
وتعليمهم مهارات تصقل احلامهم وتجعلها تحلق خارج جدران رطبة.
في هذا المركز ,,نشأت ايضا العملية الديمقراطية في المخيم ,هنا الوساطة لا تنفع لتخول لاي شاب او كهل ان يصير مدربا للفتية ,,الكل يمر بعملية اقتراع.

وفي هذا المركز ايضا يحاول المدربون
مساعدة الفتيان والفتيات على تعلم مهارات حرفية تجعلهم قادرين على دخول سوق الشغل في لبنان وهي سوق عمل تحجر على اللاجئ الفلسطيني مزاولة مهن كثيرة منها الطب والهندسة والقانون وإدارة العقارات والمحاسبة

التمييز الذي يقتل بعض الاحلام ,,احلام بيضاء في زمن اسود هي قدر اي لاجئ ,,لكن لا مكان للاحساس بالانكسار في مركز الاطفال والفتوة في شاتيلا ,,هنا
يعلم الفلسطيني كيف يفخر بتاريخه كيف يفهم حاضره وان تاه عن ايجاد الطريق نحو مستقبله يجد يدا تشبهه تقوده الى الامام .

يسألنا مدير المركز عن ديفيد
نقول ضاحكين في مكر لقد تركناه وراءنا ,,” حتى يفش الشباب خلقن فيه ”
بيتسم ويسألنا ,,هل تجولتم في كل انحاء المخيم ,,نقول بصوت واحد طبعا منذ الصباح ونحن نتجول
يتطلع في وجوهنا ويعود ليسألنا كانه هو الصحفي وليس نحن

هل رأيتم كلابا في المخيم ,؟؟ اقصد كلاب كلاب حيوانات يعني ,,نقول له لا لم نرى اي كلب في المخيم

يبتسم في مكر ويسقط علينا جملته التالية : طبعا الكلاب لا تقبل تعيش في هيك ظروف ,,الكلاب محال تعيش في هيك مخيم ,,لكنا نحن نعيش وننجب اطفالا يعيشون لينجبوا اطفالا بدورهم يعيشون هنا

قبل مغادرة المخيم في ذلك اليوم الاول لنا
نتوقف كثيرا عند مقبرة شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا ,,رائحة الدم تصعد من الارض ,,وخلف ذلك الباب الحديدي الازرق المعوج ينام المئات ,,المذبحة اكبر من المخيم ..
هنا القبور لا تصمت ,,بل يصمت الواقفون على القبور

من بعيد نرى ديفيد يأتي الينا باسما وخلفه زمرة من الاطفال الضاحكين
يعدون وراءه يلتفت اليهم ضاحكا مثل طفل ..
بالنهاية لم يَتُهْ ديفيد ,,ولا نحن تهنا ,,والاطفال امامنا يبحثون عن غد مشرق لهم داخل مخيم لا يدخله الكلاب

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to تأملات في المنفى -يوميات في صبرا وشاتيلا

  1. وجد الحبيبة .. ارجعتِ لي تلك الذكرى المؤلمة الغائمة في تلافيف الذاكرة الغضة..يومها كنت في المدرسة ، وكانت معلمتي الفلسطيتية تشرح لنا ما الذي حدث ..وكنا نبكي فقط..
    ما زلنا نبكي ..
    رائعة انت يا وجد في كل ما قرأته لك .. رعاك الله.

  2. مفرح القحطاني كتب:

    اختي الفاضلة صبرا وشاتيلا لاتنسى ابدآ
    ولاكن هل تؤيدين ان من يموت في المظاهرات الحليه اشد المآ لان القاتل من ابناء جلدتنا واولادنا وليس من عدو

  3. gamila كتب:

    وصفتى بدقة كانى معاكى ولا حول ولا قوة الا بالله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s