طيور كالمار

في كالمار الطيور لا تحلق في السماء بل تمشي على الارض تدقق فيك تنظر اليك بكل ثقة ,,لا تخشاك ابدا,,الطيور في كالمار تمشي في
كبرياء
طيور غريبة طيور السويد ,تنزل من السماء الى الارض لتعيش في أمان ,,ترحل وتعود في مواسم الدفء ولا يستوقفها احد ,,
طيور سوداء بمنقار اصفر ,,تأخذها بعيدا في حالات شرودها الكثيرة ,,تتطلع اليها من خلف زجاج غرفة التدريس ..
وتغبطها على حريتها ,,
تعود عيناها من العشب الاخضر في الخارج الى دفترها تسافر وتعود الى واقعها المرسوم امامها على تلك الورقة ,,تتطلع الى تلك الدوائر المتداخلة التي ترسمها وهي تفكر في لاشيء ,,فقط دوائر دوائر ,,واقعها المتشابك
أتى بها الى هنا
مثل بقية زملائها في كالمار مجموعة من الصحافيين الشبان من العالم الثالث أتوا للتدريب في كلية الاعلام بكالمار جنوب السويد

وصلوا الى السويد قادمين من دول القمع شرقا وغربا حاملين في حقائب سفرهم نماذج من نكساتهم وحملوا في صدروهم بعضا من كتاباتهم المعتقلة

يفترشون في مرح ارضية قاعة الدرس مثل اطفال مطيعين يتطلعون في اعجاب الى مدربتهم ماري ويكتشفون في عينيها شديدتي الزرقة,,بحرا من الحرية
في تلك القاعة يتساوي العربي والافغاني واللاتيني والفارسي والافريقي ,,الكل يرزخ تحت شيء اسمه الرقابة ,,رقابة تخيم فوق الرؤوس حتى وهم بعيدون عن اوطانهم ,,شبح الرقابة يقتفي أثرهم ,,حتى وهم في القطب الشمالي ,صور بعضهم لا تظهر على الموقع الاكلتروني للكلية ,,ينشرون مقالاتهم باسماء مستعارة احيانا واحيانا يقدمون على البوح بهوياتهم

على الارض يجلسون في شكل حلقة ,,حلقة مكتملة الدوران ,,بشكل متحد متواضع انساني ,دون غرور ودون انكسار ,,يتتعلمون كما
لو لم يتعلموا من قبل ,,كيف يخرجون من معتقلات كتاباتهم الى فضاء حر لكتاباتهم

في ذلك الصباح الدافئ من شهر يونيو الغيوم داكنة في السماء والشمس تبحث لنفسها عن مخرج للنجاة بأشعتها,,وجه باراستو متوجم على غير العادة ,,ابتسامتها الواسعة لا وجود لها ,,طريقتها في قول صباح الخير وهي تفتح ذراعيها مثل جناحين لتحتضن رفاقها
,,غائبة ,,يداها مغلولتان الى جيوب بنطالها ,,
,,
,,هاي ما الامر ,,تسألها ميسون ,دون ان ترفع نظراتها عن الارض
تجيبها
السلطات الايرانية اعتقلت رفاقي في المظاهرات ,,خبرتني امي الان بذلك واعلمتني ان مدونتي اغلقت في طهران ..

دون ان تنبس بكلمة تضع ميسون يديها في بنطالها ,,مغلولتين اليها أيضا تأخذ نفسا عميقا وتسيران معا نحو باب الكلية ,,
وتحت قدميهما يطوى كل العشب الاخضر ,,تنزل الاحلام من القلب الف ميل في جوف الارض ,,ويتطاير الحصى في طريقهما وهما تركلانها باحذيتهما ,,وتلعنان في صدريهما

في ذلك الصباح ,,لا عزاء كثير يسمع في قاعة التدريس ,,حتى عينا ماري بدتا اقل زرقة كأن البحر صار اقل عمقا وكأن الامواج ما عادت عاتية

– اسمعوا جميعا ,,ستعتقلون كل يوم ,,وستعودون أحرارا كل يوم ,,الانظمة لا تتغير بمقال واحد ,,ولا بمظاهرة واحدة ,,انتم صحافيون لا تنسوا ,,ان اخترتم الكتابة سلاحا عليكم ان تعرفوا جيدا ان تختاروا حروبكم ايضا ,,
,,
لكن لا احد يريد سماع ماري في ذلك الصباح ,,الكل ينظر الى بارستو وبارستو لا تنظر الى احد ,,تنظر فقط الى الارض,,وميسون بجانبها ما زالت ترسم تلك الدوائر التي لا تنتهي

كلام ماري كان اشبه بفعل اخرق ذاك اليوم ,,لا احد يريد سماعها ,,وخورخي يزمجر شيت,,شيت مان ,,
ماري رجاء انت لا تعرفين ما معنى الاعتقال ؟؟ لم تجربيه يقول لها وهويرفع يديه الى فوق وجسده الضخم يهتز فيرتفع قميصه وتظهر بطنه الضخمة

انت حرة في بلد حر ,,صحفية غنية في دولة غنية ,,لم تعرفي لا الفقر ولا الاعتقال
تبتسم ماري في هدوء وتقول له من قال لك اني لم اعتقل ؟؟
فجاة ترتفع كل الرؤوس من الارض ,,كل الاعين تتوقف عند عيني ماري ,,وتعود كل البحار في عينيها ,,حتى بارستو ما عادت تتطلع الى حذائها امامها,,ودوائر ميسون توقفت عن التداخل فوق تلك الورقة التي تكاد تثقب …
يتبع

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على طيور كالمار

  1. الطيور لا تعرف سوى الحرية و البحث الدائم بلا كلل. و كما أننا لا نفرق بين طير و آخر ،”الحرية” لا تُفرق بين غني و فقير. الحرية لا تفرق بين الأماكن و الناس. كلنا سيان.
    أسلوب جميل. سأترقب ما سيُتبع. 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s