طيور كالمار2- طيور السويد تطير الى الخليل

تنتفض رجلاها بقوة لكنها لا تصرخ ,,لا تتألم لا تتأوه ,,جسدها الصغير يجر على الأرض فيحمل معه شيئا من ترابها بين اظافرها ,,ترفع عينيها الى وجه الجندي وتبتسم. من حزام بنطالها المرقع تجر ماري من تحت شجرة الزيتون في الخليل الى مدرعة الجيش الاسرائيلي وبأعقاب  البنادق تضرب على رجليها  لكنها لا تصرخ ,,

ماري, واحدة من أبرز  الأقلام الصحفية في السويد, السن يقارب الخمسين عاما لكن كل شيء فيها يقسم بأنها لم تتجاوز الخامسة والثلاثين. وجه مبتسم بل مصر على الابتسام في كل الأحوال, عينان شديدتا الزرقة حادتا الذكاء حتى أنك لا تستطيع التأمل فيهما طويلا. يدان صغيرتان تحركهما حين تتحدث بشكل يجعلها تشبه راقصة الباليه، حين ترتفع قامتها القصيرة وتقف على أطراف أصابعها كلما حاولت وصف شيء رائع أو عظيم او الاغلب صعب المنال. شعرها الاشقر القصير ولباسها البسيط يجعلها تبدو طفلة

اجمل الفصول على الاطلاق فصل الحج الى فلسطين, هكذا تتحدث ماري عن الاراضي المحتلة وهي تنظر ناحية النافذة ,,فتلمع عيناها وتشتد الزرقة فيهما ,,
كمن يتحدث عن عشيق طال غيابه ,,
الذاكرة مستيقظة حين تنساب الصور قادمة من الخليل من قلنديا من القدس المحتلة ,,
,,
تختلف المواعيد لكن المقصد واحد ,,بين عملها الصحفي ونشاطها الانساني المساند ” للقضية ” قلب ماري لا يتدحرج ولا يخطئ. النبض ,,ايقاع دقيق يشبه حياتها ,,ايقاع متواصل يشبه التزامها ,,
كان البعض يسألها كيف تترك رفاهية الحياة في ستكهولم وتطير رأسا الى الاراضي المحتلة كل عام لتغرس الزيتون مع الاهالي وتبني المدارس مع النشطاء وتجلس عند ركام البيوت المهدمة تحت الجرافات الاسرائيلية وهي تضع يديها الصغيرتين وتفكر في حل ..

ايجاد الحلول هي هواية ماري المفضلة. لا وجود لشيئ اسمه الاخفاق في عقل ماري. تركيبتها السويدية ” غير الباردة ” تجعلها كتلة من نار متقدة ,نيرون مشتعل في عقل ماري يبحث عن الحلول ويأتي بها. أن تجد مانحين في السويد لتبني اطفال من مخيمات صبرا وشاتيلا يقضون عطلهم في السويد هذا اختصاص ماري . ان تاتي بصحافيين من العالم الثالث الى السويد لتدريسهم فنون الكتابة الصحفية والتعامل مع الانظمة القمعية هذا اختصاص ماري . ان تقود حملة مقاطعة لمنتوجات المستوطنات ردا على هدم بيوت
فلسطينية هذا اختصاص ماري ..
ان تلتقط ابشع صور الاعتقال والترويع وتكتب تحتها ” هذا ما تفعله اسرائيل” على كبرى صحف السويد هذا اختصاص ماري ..

تتأمل ماري يديها الصغيرتين وهي تحكي تفاصيل اعتقالها كما لو كانت تبحث من تحت أظافرها عن بقايا طين الارض التي ذهبت لتزرع فيها زيتونا ,,فاعتقلت وهي تفعل ,,
لا تتوقف عند نفسها بل تسرد تفاصيل الاخرين ,,كم عددهم من اين جاؤوا ,,ارض من التي ذهبوا اليها في ذلك اليوم الحار كيف ربطوا انفسهم بسلاسل الى شجر الزيتون حتى لا يغادروها تحت تهديد السلاح الاسرائيلي ..

تحت اقدام ماري وهي تسرد تفاصيل ذلك اليوم ,,ترتفع اعين الطلبة, يتطلعون في عينيها باعجاب يتوقفون عند تقاسيمها المنمنة في ذلك الوجه الطفولي. رغما عنها تتحول ماري الى قديسة,
للانسانية نور لا يراه من لا يبحث عن النور.
تصمت ماري ,,وتبقى العيون معلقة فوق ثغرها ,,كما لو كانت آخر الانبياء ,,.

زمن عربي مفتت كالغبار هكذا تقول ميسون لنفسها وهي تنظر الى ماري ,,
لماذ تغرس الايادي السويدية الشجر العربي في الخليل وقدماي لا تعرفان ارض الخليل
لماذا ينام طين ضيعة الحاج محمود تحت اظافر ماري ,,واعجز انا عن تنفس قطر الندى فوق ذلك الطين

قافلة الحرية كانت تجهز في ذلك اليوم ,,ستركبها ماري ,,لكن لا مكان لميسون فيها
حتى في حب الارض المحتلة ,,كلنا شرق وغرب

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على طيور كالمار2- طيور السويد تطير الى الخليل

  1. مي احمد كتب:

    متى تكفين عن رسم اهات واقعنا وانتصارات جراحنا ؟؟ .. ان كانت ماري تستحق كل الحب فلا اعتقد انك بما انت تدانيها .. متى تستطيع ميسون ان تركب مع ماري ؟؟

  2. كيف لي ان اعلق والكلمات ملات عيناي دموعا لا آري ما اكتب ولا استطيع المراجعة هذا المقال الرائع وضعتي تماماً وكأنني كنت قريبا أراقب الارض ورمالها والأيدي والأظافر والملابس اعتقد انني ساخذ وقتا طويلا حتي اتعاف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s