رحيل رجلين

أبي لا يشبه غسان كنفاني وغسان كنفاني لا يشبهني
انا ابنة الاول ونتاج غير بيولوجي للثاني
أبي الغائب الحاضر في الزمان والمكان وكنفاني الغائب خلف كل النهايات
كتابة المرثيات توجعني واهجرها ,مثل مرافئ كثيرة الضجيج بوجع الاغتراب
اعود الى كتابات ابي : قصاصات جرائد واوراق صفراء خطت بكتابة منمنمة انيقة
كيف كان يرسم الحروف صغيرة الحجم,, كتابة مرصوفة الايقاع موغلة في الحس الانساني تنكش التأمل من جذوره وتلقي به على الورق فيأتي أنيقا متسلسلا في الحزن والفرح في الادب والسياسة في التحقيق الصحفي وفي الخواطر ,,
صغيرة كنت اقف مشدوهة اليه وانا اراه يكتب وسيجاره يلتهم اصابعه
ركنه المفضل للكتابة هو المطبخ ,,ولا ادري اي شيطان كتابة كان يحمل ابي كل ليلة الى المطبخ حين ينام الكل فيعد القهوة بماء الزهر التونسي وتختلط عند عتبة الباب حقول القهوة بزهر البرتقال وبالتبغ الكوبي
وتختلط معها كل الروائح تلك في عقلي الصغير
كنت انهض من سريري في جنح الليل لاذهب الى الحمام وكلما رأيت نور المطبخ مضيئا عرفت أن إله الكتابة ” أبي ” يجلس هناك في مملكته ,,
أنسى الحمام واذهب اليه اقف عند الباب وانظر الى ابي كأني اكتشفه لاول مرة
بين صورة المعلم الاول والنبي الاخير والاب الخارج للتو من قصة قبل النوم ,,اعجن في ذهني صورة ابي وهو يكتب
هذا هو ,,مزيج من المعلم والنبي والاب
مع جرعة فائقة من الحنان ,,تلك الجرعة التي كانت سبب فرحي الاكبر وسبب تعاستي بعدها
حين يلتفت على حين غفلة وقد التقط شروده في كلمة يخطها ويراني عند الباب ,,يبتسم تلك الابتسامة التي تجعلني احمد الله انه “صنع لي أبا ” مثل أبي افضل من كل الاباء في الكرتون
تنتهي دهشتي الطفولية لحظة ارى تلك الابتسامة فتغيب صورة المعلم الاول وتختفي صورة النبي الاخير وتحضر صورة ابي ولا احد سواه
في خفي الصغيرين اهرول اليه فيحملني عاليا بين ذراعيه وانا اضحك ,,لم اكن اعرف ماذا تعني كلمة صحافي ,حين كانوا يقولون لي ابوك صحافي ابكي واقول لا ابي مش حافي ابي عندو حذاء بل اثنين ,,
ثم قرنت في عقلي الصغير بين ” الصحافي والحذاء وكوم الاوراق التي تعم المكان ويكتبها ابي ثم يطوي ذلك الورق بالطول علامة على ان المقال قد انتهى

حين اراه يطوي الورق ,,اعود الى السرير
واحتفظ بذلك السر لي وحدي
ابي كاتب ذلك الورق الذي يقرأ كلما تثاءب الفجر في وطني

ولان أبا واحدا لا يكفي ,,ابتاع لي أبي أبا ” روحيا ” وانا في الحادية عشرة ,,
رجل اسمه غسان كنفاني
فقدم لي حين نجحت في الاعدادية ” ادماني الروحي الاول ”
فتح يومها مكتبته وقدم لي مجموعة قصصية لكنفاني ,,فاعتصمت يومين في غرفتي وتجاهلت نداء صديقتي فاتن وصفية تحت شرفة غرفتي في عز الظهيرة و” خنت جولتنا على الدراجة ”

هل قرر أبي في لحظة ما أن يخرجني من عالمي الطفولي ” عنوة ” الى عالم الكبار بأن اقحمني في عالم اسمه كنفاني ؟؟
هل حملني ما لا طاقة لي به بان اوقع في حجري ” وانا بعد طفلة ” قضية اسمها فلسطين ” كنت اعرفها من اغاني مارسيل فاكتشفت بعدها ان المارسيلات كثر ؟
ابي ذلك اليساري المشبع بزيتون ارض لم يعرفها
تونسي حد النخاع فلسطيني حد الوجع
,,كيف ضاعت الارض ؟؟
سؤال لم يجبني عليه ابدا الى حين فارق الحياة وقبله فارق غسان الحياة ولم يجب هو ايضا ,,

كيف ضاعت الارض وبحثت عنها الكتابة فصولا وفصولامن عاصمة الى اخرى؟
شاشي الفلسطيني الاول كان في المعهد ” علامة على اني ابنة رجل يساري ” مثير للشغب الفكري مقتحم للعقل البشري ,,جدلي بامتياز
لكنه لم يجادل الموت,, تماما مثل كنفاني ,,انصاع الاول وانصاع الثاني فضاعت الارض مرتين

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على رحيل رجلين

  1. Samer كتب:

    بدك كلام غني بالمعنى لأرد عليكي بس مش قادر. رائعة! حبيت جزئية “حافي”. أجمل ما في الطفولة انك بتفكري الناس ملائكة وأبطال الخير كُثر، للأسف بنكتشف بعدين العكس. لا بأس في الخيانة ان كانت لمصلحة عامة. فقد خنتي فاتن في الصغر وأخلصتي لها ، لا بل للأمة العربية في الكِبَر.
    تحياتي.
    سامر

  2. سعدية مفرح كتب:

    هل كان من الضروري يا وجد أن تكتبي هذا النص وأن أقرأه اليوم؟ صباح امس فقدت اغلى البشر في حياتي كلها ..على الاطلاق ..على الاطلاق. وها أنت تواسيني من حيث لا تدرين بهذا النص. شكرا وجد.. شكرا ابنتي. لا أكاد أعرفني الآن . انا لست أنا ، ولا اكاد أعرف الكتابة ، ولا أكاد اميز بين الحروف . رحل صديقي الاثير الكبير ..الأول اولأخير. وأنا متأكدة ان حياتي لم تعد حياة بعد الان..أعني بعد صباح أمس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s