حالة طوارئ

انقطع الزمان وتحول المكان إلى منطقة عازلة للانتظار.
آخر أيام الصيفية، ثاني أيام الأعياد، هلال مثقوب في السماء
والغيوم حوله تتآكل ومفاصلي تتآكل معها.
أتأمل مدرعات الجيش على الشاطئ وهي تحرس البحر، جنود ببزاتهم العسكرية وقبعاتهم الحمراء يراقبون حركة المترجلين على الكورنيش ..بزات تلتصق بقامات غير فارعة، أُشفق عليها من الحر ومن تحمل قبعات تلتصق بهاماتهم في جو مثقل بالرطوبة، رطوبة تجعل من خطى المصطافين بطيئةً تتعثر في الحصى المنثور على حافة الممشى. ..
ُأُنزل زجاج نافذة السيارة وأغوص أكثر في مقعدي ومفاصلي تتآكل مرة أخرى، أرفع رجلي إلي وأسند رأسي على ركبتي وأنتبه الى نظرات الجندي وهو يتأملني، .أحييه بيدي، وأرفع صوتي ب ” عيدك مبروك ” يرفع يده ويجيبني “سنين دايمة يعيشك”
الجيش يراقب البحر وحركةَ السيارات القليلة على الكورنيش،
والعشاق الجالسون على الكورنيش يراقبون الجيش لاستراق قبلة من شفاه مرتعشة، انتعاشة اللهفة بعد انتظار.
الجيش يراقب البحر والعشاق يراقبون الجيش وأنا في مقعد السيارة أراقب الجميع
من يفوز بالقبلة الرطبة حين يعطي الجنود بظهورهم ..
العشاق أنهكم الانتظار مثلما أنهك الواقفين في طابور الانتظار في هذا الوطن
مواعيد سياسية مؤجلة، رزنامة للأمل بتقويم بيزنطي، سجال انتخابي ترتفع فيه أصوات مئة حزب
والبقاء لله و لمن صوته أعلى في هذا الوطن ..
الشعب صنع ثورته والسراق صنعوا ثروتهم، هاربون وباقون ومتخفون وآخرون متمرغون في ثنايا النسيان يتسللون من ثقب الذاكرة الجماعية يصنعون مجدا على حافة الهاوية وكلما نسينا تذكروا
تذكروا أننا شعب ينسى سريعاً ينتفض كثيرا وينسى سريعا ..وفي كل نسيان يعود السراق ليسرقوا ويعود المتخفون ليظهروا ويعود المنبطحون لتمارينهم الرياضية اليومية في الاستلقاء على البطن والزحف لمسافات طويلة
أتنهد تنهيدتي الطويلة التي تكرهها أمي
وأعود من رحلة شرودي ..

يده تلتف حول كتفيها كأنه يحميها من برد لم يحل بعد تسند رأسها على كتفه وترفع يدها لتعدل حجابها المنحسر عن شعرها، أكاد أشعر بدقات قلبها لحظة تحط رأسها الصغير على كتف هي كل الأمان لها
أكاد أشعر بقلبها يريد تسلق أضلع الصدر الذي يضمها الآن ..ما أجمل الحب تحت هلال مثقوب

اتجمع العشاق خارج سجن القلعة ..والهلال المثقوب لا يسدل بأي نور على وجه العشاق ..هذا أفضل إنه امتحان الحب في غياب القمر، في غياب التأمل وفي حضور الجيش
حالة طوارئ ..وطني والحب في حضرة الجيش والانتظار وأنت لست معي ..حالة طوارئ
كلها حوادث سير ..نلتقي ..نعشق، نحتضن، نقبل، نرسم قلوباً على رمل البحر تفترق في حوادث سير
البزات العسكرية المنتشرة على البحر مشهد غير رومانسي لكنه ديكور إجباري للحب في زمن حالة الطوارئ
والعشاق من حولي لا يكترثون بتمديد قانون حالة الطوارئ لكنهم منزعجون من قبلة لا تأتي الى حين يذهب الجندي لقضاء حاجة بشرية ..
القبل المسروقة هي الأعذب دوما ..أبتسم وأنا أراه يفوز بقبلة من شفتين ترتفعان اليه لحظة ينشغل الجنود بتقاسم قارورة الماء
أعود الى تلك الاغنية التي تصدح في سيارتي
كل تلك الحوادث التي تحدث ..ذات صدفة ,
تتبع نقطة البدء ..صدفة ,,لا إنه المنطق، لن تحتاج للبوح، إني أشعر بك
مشاهد الحب ,,تجعلني حائرة
لكن فجأة يحل اللغز ..ترمي بي ,,في حالة طوارئ ..
حالة طوارئ ,,ما أجملها حالة، حالة طوارئ أريد أن أكون هناك حيث حالة الطوارئ

أحب صوتها المخنوق بالعبرات التي لا تنزل وهي تغني بالانجليزية عن حالة تشبه حالتي
الحب في زمن حالة الطوارئ ,,يعني كل المجهول وكل الصراع
الحب ينضج في زمن حالة الطوارئ مثلما تنضج آلام المعتقلين في سجن القلعة مثلما تنضج الرغبة المحمومة في استراق قبلة من خلف حواجز عسكرية
الحب يفتك افتكاكاً في زمن حالة الطوارئ يغوص ألف ميل تحت الأرض يأتي بجلاده من شعره ليلقي به في الساحات العامة ويصرخ : هذا كان جلادي
الحب في زمن حالة الطوارئ يعني جسر الرجوع إلى المقاومة
يعني نسيان الكسل الداخلي حين تشعر بأنك صرت تعرف حبيبك مثل كف يدك والحقيقة أنك لم تعرف منه سوى الفهرس
الحب في زمن حالة الطوارئ يعني حواجز تفتيش كثيرة ستنصبها داخل  روحك حين تذهب إلى النوم وحيداً وأنت تقتفي أثر أنفاس من تحب ..تفتش عنها في كل حيرة في كل تعثر في كل تقطع للرسائل الصوتية التي تحيك ذاكرتك وذاكرته

الحب في زمن حالة الطوارئ مؤجل مثل كل المواعيد في وطني..في وطنك
وحدها المدرعات العسكرية تبقى تمشط آخر الليل تكنس رائحة الحب التي علقت بتلك الكراسي على الكورنيش وتكنس معها لهفة الانتظار وبقايا القبل المسروقة
يأتيني صوت الجندي ليوقظني من رحلة شرودي الأخيرة  ليسألني ان كنت سأبقى أكثر ويطلب مني بأدب مستفز أن أرحل لأن سيارة الأمن ستركن مكاني
على مضض أترك البحر في حراسة مدرعات الجيش ووراءها سيارات الأمن
وآن بران تغني
حالة طوارئ ما أجملها حالة حالة طوارئ أريد أن أكون هناك…حيث حالة الطوارئ

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

One Response to حالة طوارئ

  1. MOuiD (@M0uiD) كتب:

    فمتى نخرج من حالة الطوارئ ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s