يوميات في الخليج ..جنة الكفيل

موعد مكبوت مع الماضي ,,فصول مزهرة ندية.. وأخرى صحراوية مشبعة بالرطوبة.
التأمل في الماضي المهني, ماض مجروح بالعتاب,,على كل ما قيل وكل ما لم لم يقال.

ثلاث سنوات قفزت من ركن ركين في الذاكرة ,,صوت أمها وهي تهمس في أذنها لا اله الا الله ,,وصوتها المخنوق لا يجيبها ببقية الجملة ,,تستحضر الشهادة في قلبها ولا تنطق بها ,,تطوف الكلمات فوق ثغر أمها وتصلي طالبة الغفران.
تعتصر خصرها تكاد تدك عظامها دكا ,,وهي تلعق رائحتها مثل قطة تتعرف على رائحة صغارها ,,تهمس في أذنها بطلاسم لا تفهمها ,,فيها اسمها وحبها لابنتها وثقتها بها وفخرها الذي لا يحيد ..ينقذها صوت مكبر الصوت في قاعة الرحيل :” الرجاء من المسافرين المتجهين الى العاصمة الخليجية التوجه الى البوابة رقم “45 .

تفتك الروح من عناق الروح ,,دقت ساعة الرحيل يا أمي.

تنتزع قلادتها من جيدها ,,هدية زوجها الأولى لها حين كانا عاشقين ,,ثلاثة عقود من الحب تلبس الام ابنتها , اسم الله محفورا بالازرق يلمع فوق رقبتها ,,روح أبيها وقصة حبه لامها وتراث عائلتها صارت كلها ترزخ على صدرها,,دموعها لا تنزل ,,ترفع عينيها الى السقف المزخرف في مطار قرطاج الدولي ,,كل تراث تونس يسكب فوقها ,,النقوش الاندلسية تبتسم لها ,تكاد تشعر بتاريخ وطنها ينزل من السقف ويطوف فوق رأسها ,,يباركها ويوصيها خيرا بنفسها وبأن تشرف البلد.

ثلاث سنوات مرت على تلك اللحظة التي عبرت فيها بوابة المسافرين دون أن تلتفت لتحيي أمها واخوتها وأصدقاءها,,خشيت إن إلتفت أن تركض نحوهم جميعا وتحتضن وطنها فيهم لتقول لهم ” لن أسافر ولتذهب المحطة الى الجحيم لتذهب الدولارات والسيارة المرسيدس والشقة الفاخرة ووعود جنة الخلد الاعلامي كلها للجحيم ,,هنا سأبقى معكم ,,وليذهب الكفيل الى الجحيم “.

جبانة كانت ,,أم صامدة بما يكفي لتعبر تلك البوابة دون التفات؟
سلمت جواز سفرها لضابط الشرطة ,,ابتسم لها وهو يقرأ تفاصيل اقامتها الخليجية تفحص طابع ” الكفيل قناة كذا” ,,همس اليها باسما ” مرحبا بيك يا للا ,,شرفنا عادة في القناة ,,ربي يجيبك في الصواب “.

في لحظة ما اكتشفت أنها صارت مفعولا به ,,من هنا تبدأ عملية التبعية التامة لمشغلها الخليجي ,,بات لزاما عليها أن تشرف الوطن باسم الوطن والعائلة والاب الغائب والصحافة عليها ان تشرف تونس.

توصية بذلك تأتيها كلما تنفست أو تحركت ,,ما عادت حرة نفسها ,,صارت ملكا للكفيل ,,وحتى ضابط الشرطة التونسي بزيه الانيق الازرق يذكرها للتو بانها قد باعت نفسها بببضعة آلاف من الدولارات ” حتى ترسم لنفسها اسما في عالم الاعلام وتشرف الوطن أيضا رغم كل القمع الممارس في جنبات الوطن ,,هذا حال الكثيرين يذهبون بعيدا ليأتوا بشيئ من الحرية للوطن.

وهي تهرول في ممر المطار باتجاه البوابة رقم 45 ,,ودموعها تهرول معها ,,بدا لها أن الممر أطول وأطول.. يكاد لا ينته. تحول الممر الى معبر نحو حياة أخرى تنتظرها في الصحراء,,لا تعلم ما يخفيه لها القدر لكنها تعلم أن عقد العمل الذي وقعته مع كفيلها -والموجود في حقيبتها – يدعوها الى امتطاء الطائرة في الحال.

مثل سكرى بالوهن والحيرة ,,جلست دون حراك في مقعد الطائرة ,,سبع ساعات هي عمر الرحلة نحو” الغد المشرق لابنة تونس “…سبع ساعات تعرت فيها من كل رومانسية روحية لترسم لنفسها ” غدا افضل” .

غد أفضل بأي مقياس؟ مقياس الشهرة ؟ أم مقياس المهنية العالية ؟ أم مقياس المال الذي سيكدس حسب اجتهادها ؟ أم مقياس دفن حياتها المرحة وعفويتها الطفولية وسط رمال الصحراء ؟

المئات مثلها على متن تلك الطائرة كانوا ذاهبين الى ” غدهم الأفضل” ,,ما دام الوطن لا يكف للقمة العيش ,,ما دام سقف الحرية الصحفية منخفضا تماما حتى يدك الرقاب ,,ما دامت الحياة حقيرة تماما لتجعل الواحد يركض ويركض يلهث ويلهث ويبحث عن كل السبل التي تجعله يحيا” حياة كريمة”.

ماذا تعني الكرامة؟ الكرامة تعني أن توقع على عقد بانها ما عادت تتنفس الا بعد طلب الاذن من الكفيل ,,الكرامة تعني أنها ستنفذ كل ما يطلب منها ,,الكرامة تعني ان تعمل 10 ساعات في اليوم دون توقف ,,الكرامة تعني انه لا يحق لها انتقاد رئيس الشيفت وألا تسأل أكثر مما يتاح لي ,,

الكرامة تعني أن تذهب للعمل في أيام الراحة متى طلب منها ذلك ,,الكرامة تعني أن تخفف من زينتها الى الحد الادنى ,,الكرامة تعني أن تتحاشى نظرات الزملاء و” تقرأ سوء النية في كل شيء ” ..الكرامة تعني أن تلبس تنورة طويلة بما يكفي حتى الكعبين ,,او من الافضل ان تقايض فساتينها مقابل لباس رجالي ,,لا روح انثوية فيها ,,الكرامة تعني أن لا ترد على أي دعوة من أي زميل لشرب القهوة لأنها صارت فتاة تعمل باسم المجموعة واسم المجموعة لا يحبذ مثل ” هذا الانتفتاح التونسي ” الذي من الاجدر ” تركه في تونس عزيزتي انت هنا في القناة “.

نعم ,,هذه هي الكرامة التي ذهبت اليها مقابل ..آلاف الدولارات

باعت نفسها في مزاد غير علني يوم اجتازت الامتحان ونجحت بتفوق,,لم يشفع لها تمزيها ولا ” ذكاءها ” ولا قدرتها الخارقة على العمل لمدة 10 ساعات دون توقف ,,” مش مهم تكون عبدا ,,المهم انك عبد في مؤسسة لها اسمها ويحسدك على تلك العبودية سكان الارض مجتمعين” هكذا يطمئنها الرفاق ..كلما سألتهم هل ” تعيشون حيرتي؟ هل عشتم شرودي أيام الراحة وانا أتأمل سقف شقتي في حالة توحد ؟؟

كانت تصحو كل فجر لتذهب ,,مثل بقية الزملاء إلى سوق اعلامية كبيرة ,,لا احد يشعر بانه باع نفسه الا لحظة يواجه الصحفي نفسه امام كلمة الحق هل ينطق بها ام يخرس ؟ هل يدافع عن زميله الذي سيحال الى التحقيق بتهمة انتقاد الادارة أم يلعب دور الابله و” يعمل حالو مش عارف”
كانوا يأتون الى هناك والكثير منهم قد سبق لهم ان انتقدوا نظام الحكم في بلدانهم,,وشتموا في جلسة صحفية الحاكم الفلاني على غبائه السياسي وانتهاكه للحريات الصحفية ..كثيرون يأتون الى هناك ووراءهم ماض ” منيل بستين نيلة ” على رأي زميلها المصري الذي ” تعود ” البهذلة ” في كل مرة يصل فيها الى مطار القاهرة على ” صفاقته ” و” عمالته” مع قناة محرضة ”
لكن الانتقاد هنا ممنوع وسط القناة
انتقدي الحكام ما شئت لا جناح عليك العنيهم هذا جيد جدا لكن انتبهي ..مديرك هنا مقدس ..

أوصاها بعض ” فاعلي الخير ” بأن تكون عملية وذكية ” ,,وان تكون عملية وذكية معناه ان تقفل فمها ,داخل المؤسسة وخارجها ايضا ..خارج المؤسسة ايضا يجب ان تمشي وان تلتفت وراءها ,,لان بعض ما يقال على طاولات المقاهي بين الرفاق سيسيقها صباحا الى مكتب المسؤول ,,مع ديباجة تليق بواش من الطراز الاول .

اكتشفت أنها هي ” المكفولة” قد صارت بالفعل مفعولا به اولا وثانيا والى ما لا نهاية .

ما كان يعيد إليها انساتيها كل مساء وهي عائدة الى شقتها في ذلك المجمع ,,ابتسامة البائع الهندي ,,حين يدق باب شقتها وهو يلهث ويتصبب عرقا ووجه الاسمر المنهك يحييها بايماءة هندية تعني ترنح الرأس قليلا ناحية اليمين ثم ناحية الشمال ومعناه ” ماشي الحال ” وهو يمد لها الاغراض التي طلبتها منه على الهاتف.

تسأله كيف حالك اليوم ؟ يجيبها بلغة عربية ” تمام تمام ” لكنه مثلها ,,كاذب لا هو تمام تمام ولا هي تمام تمام أبدا ,,لكن على عتبة شقتها ,,تلتقي الايماءات المتعثرة بالجرح ,,يقولان للجراح اخرجي من جسدينا وانطلقي ,,يا جراح ,,يتصارحان بلغة الايماءات عرقه يعني انه منهك ويجري في كل الاتجاهات تحت سماء حارقة من اجل لقمة عيش ينتظرها كل شهر اهله في الهند ,, وتنهيدتها وهي تمد له الاوراق النقدية تعني أنها منهكة من الجري لمدة 10 ساعات ذهنيا وروحيا .

هي وذلك الهندي
يتشابهات تماما
باعا نفسيهما لكفيلين ,,صحفية ومساعد تاجر,,,الفرق في ما يقبضه كل واحد اخر الشهر ,,الفرق في المكان الذي يعيش فيه كلاهما ,,هي في شقة محترمة وهو في شقة نائية مع 20 هنديا اخر يتقاسمون غرفتين ,,الفرق انها تذهب الى عملها في سيارة وهو يذهب الى الدكان ركضا ,,الفرق في قلمها على المكتب وقلمه خلف اذنه ,,
لكن المأساة هي ذاتها ,,و” الرومانتيكيات” المصطدمة بجدران العزلة في الغربة هي ذاتها..هي وذلك الهندي أقفلا ابوابا اسمها الاحلام ,,وفتحا شبابيك اسمها الانتظار..

الفرق بينها وبين ذلك الهندي ,,فرق وحيد
انه بقي في الخليج,,ورحلت هي
غريبان كنا يتصافحان على تلك العتبة كل مساء

Advertisements
هذا المنشور نشر في الاشياء الصغيرة. حفظ الرابط الثابت.

8 ردود على يوميات في الخليج ..جنة الكفيل

  1. M. Salem كتب:

    هذه الكاتبة الرائعة التي تصف حال ملايين ممن يعيشون هذه الحياة البائسة انني اجزم واقسم ان لا يستطيع ان يصف بهذه الروعة والجمال ال من عاش هذه الحياة ولم يهنأ بها وارتضاها مرغما اختطفا بطل …. لقد استفاضت الكاتبة الرقيقة المشاعر في عمق شخصيات روايتها حتي وضعت القارئ وكانه واقف الي جوارها يساعدها في حمل الأغراض التي أحضرها المغترب الهندي الاخر. هذه رائعة حقيقية للكاتبة العظيمة الأستاذة الكبيرة وجد.

    ا، د. محمد. سالم. من جامعة القاهرة. مصر

  2. عابر كتب:

    لقمة عيش ينتظرها كل شهر اهله في الهند …
    هذا هو الفرق من وجهة نظري …وشكرا

  3. Saif Ben Achour كتب:

    مع إحترامي فالأمر ليس بهذه البشاعة (تونسي مقيم في الإمارات)

  4. j’adore ce que tu as ecrit j’espere que tu nous raconte plus a propos de”يوميات في الخليج

  5. رائعة .. وفى ظنى سيدتى أن الناس فى ذلك صنفين, منهم من استمرأ الأمر لشيوعه ومنافعه وأحياناً لا سبيل إلى حياة بغيره ومنهم من تمنعهم جينات الكرامة والعزة والحرية من أن يقبلوا هذا الصغار وإن اضطروا كانوا كارهين.

  6. من يرفض جنة الكفيل بكل اغراءاته المادية و المعنوية مقابل عزته و كرامته لن يكون الا تونسيا حرا نفخر و نعتز به تحياتي وجد و القادم انشاء الله افضل

  7. very interesting read . god bless you and good luck in your new life

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s