فتور

ماذا يعني الفتور ؟

الفتور حالة من حالات الشعور الإنساني غير المتبلد تنتابنا أحياناً بعد حالات دفء طويلة أو حالات صقيع طويلة، هي حالة شعور لا تستأذنك في التسرب إلى روحك.

تستيقظُ ذاتَ صباح وتكتشف أنّ فتوراً بداخلك إزاء أقرب الناس إليك وأهم القضايا بالنسبة لك وأثمن الأشياء عندك قد استقرّ في فؤادك وصار ينبض في عروقك، ترفع معصمك وترى تلك العروق الزرقاء تضخ بالفتور.

لا أدري في أية لحظة تسرب إليَّ الفتور، كيف تسرب إلى روحي على أطراف أصابعه ودون ضجة جلس بداخلي على أريكة مريحة ودعاني إلى الإسترخاء. اكتشفتُ وجود الفتور بداخلي ذاك الصباح وأنا أحتسي قهوتي وأمي تصرخ في وجه هناء ” إبنتنا ” التي نربيها منذ سنوات وتتحمل ضجيجنا وفوضانا ونتحمل ردودها غير المكترثة أحياناً.

أنا لا أحب الصراخ ولا الصوت العالي بشكلٍ عام، أمتعض منه كثيراً ولا أتردد في التعبير عن ذلك بالملاحظة الشفهية لأمي: أن كفي دعيها بسلام، لكني ذاك الصباح واصلت احتساء قهوتي دون ردة فعل ونظراتُ هناء تستنجد بي تطلب مني فيتو أرفعه في وجه أمي مثلما كنت أفعل في كل مرة، لكني لم أفعل شيئاً ذلك الصباح، لم أرفع نظراتي إلى وجه هناء وصار صوت أمي لا يصلني. واصلت قراءة عمود نوارة نجم “يعني إيه دكر” ..وغصت تماماً في الأسطر أمامي.

تخيلتُ علاء في المعتقل وزوجته منال الحامل تنتظر مولودها وأمه التي تهدد بإضراب جوع وصفحة كلنا علاء على الفيسبوك وحنق نوارة على من يدعون الشجاعة ورغبتها الدفينة في أن يخترق أحدهم تلك الصفحة، غصتُ بما يكفي فلم يعد صراخ أمي يصل الى أذني ولم أعد أرى وجه هناء ووقفتها المتحدية وسط المطبخ وحين رفعتُ ٍرأسي كانت تلك الخناقة قد انتهت وعادت هناء الى الابتسام وعادت أمي الى تدليلها ” يعيش بنتي ماعادش تعاودها قتلك قداش من مرة ”

عدتُ إلى العمود أقرأه مرة أخرى وأبحث مع نوارة عن علامات الذكورة  والفتور بداخلي يطلب مني ألا أبالي ألا أكترث كثيراً أن أتوقف عن السؤال “يعني إيه ذكر” كان يمكن للعنوان أن يستفزني أكثر في أيام أخرى لو لم يكن حضرة الفتور قد استقرّ بداخل كياني وأعلن إعلانه الجمهوري وأدى القسم.

كنت كتلة من نار متقد، كانوا يسموني كذلك “مندفعة في التفكير وفي العاطفة” ذهني يتقد باستمرار وقلبي يدق باستمرار وأنا بينهما أتوه أحياناً وأعرف طريقي أحياناً أخرى لكنّ معجزةً ما حدثت ذاك الصباح أو ربما حدثت وأنا نائمة وشاء الخالق أن يرحمني فنفث من روحه بعض الفتور فيّ فصحوت وأنا فاترة تماماً رغم لسعات البرد الأولى في الخارج.

فاترة بما يكفي حتى لا أرد على رسالة وصلتني من عاشق سابق يخبرني فيها بأن” مطعمنا ” الذي تعشينا فيه ذات شتاء في طرابلس قد دك بالكامل وأن الشاب أحمد ” الذي تحول الى ثائر ليبي ” قد أخبره بذلك في إيميل عاجل له يسرد فيه يومياته في طرابلس بعد القذافي.

الفتور أنقذ الذاكرة من تمرين صباحي شاق في رفع الأثقال، الصور في ذهني بالأبيض والأسود تأتي دون ضجة،  لقاؤنا الماطر في العاصمة الليبية بعد غياب سنوات واحتجازي في المطار حتى ادفع 1000 دولار لنظام العقيد رغم استظهاري ببطاقة الدعوة..

دفعت تذكرتي بنفسي لأحاضر في أكاديمية الدراسات العليا عن واقع الإعلام العربي وها أني مطالبة أيضاً بدفع ألف دولار لنظام العقيد، حتى يتم السماح لي بالخروج من المطار، كنت أبحث وسط جموع المسافرين عن وجه المسؤول عن العلاقات العامة وأبحث في الوقت ذاته عن وجه ذلك العاشق الذي عرفته في الصحراء قبل سنوات.

أسأل عن موعد وصول طائرة الخطوط التركية يقولون لي إنها تأخرت. محتجزة أنا في طرابلس وحقيبتي ضائعة حتى سمعتُ اسمي في مصدح المطار… خرجت من المطار ووقع مسؤول العلاقات العامة على رزمة وثائق تعفيني من دفع رسوم دخول طرابلس التي أمر بها القذافي ” احتفاء بالتوانسة ” كما كان يفعل في كل مرة، يعتذر الرجل عما حدث في المطار وأجيبه ” ولا يهمك ”

مطار طرابلس حيث احتجزتُ قبل عامين صار تحت سيطرة الثوار اليوم ومسؤول العلاقات العامة صار قائداً وأحمد ذلك الطالب المتقد حيوية تحول الى “ثائر” يدون يوميات الثورة ويؤرخ لها لكن كل ذلك ما عاد يهمني عندي حالة فتور مزمن، ترددت في التوجه بالسؤال لأمي عن وصفة طبية تشفيني من الفتور لا سيما أنه استفحل.

عرفتُ أنه استفحل قبل أيام حين لم أكترث لما يكتبه أحدهم على صفحته  دب الفتور في نفسي، صار جيشاً عرمرماً خطواته العسكرية ثابتة واحد اثنان واحد اثنان لا شيئ يوقف هذا الجيش، يومها كتب ” ذلك الذكر ” شيئاً ما كان ربما سيستفزني كثيراً وسأعاتبه عليه كثيراً وربما كانت نوبة غيرة نسائية ستنتابني لوقت قبل أن تهدأ وربما كنت سأشتمه وأصرخ في وجهه ” يا حقير ” قبل أن أمسح كل رسائله وأبكي بعدها على سريري وأنا أحتضن ثورة غضبي لكن لا شيئ من ذلك حدث.

قرأت ما كتبه بفتور وبفتور أكبر أغلقت الصفحة وبفتور أشد أعددت لنفسي فنجان قهوة على نخب استرخائي غير الطبيعي، كنت أتحرك في البيت مثل آلة، حركاتي دقيقة لكن دون شعور، أسمع كل شيء حولي ولا أرد على شيء، أرى كل الأشياء لكن الصورة البصرية تصل ” محايدة ” تماماً إلى ذهني فلا يعلق عليها عقلي ولا يسمي ما يرى ولا يتعرف على ما رأى.

ما أعظم نظام الفتور، يومها كان ذلك ” الذكر ” الذي أحببت قد منحني فرصةً عظيمةً لمعرفة عمق الفتور الذي بداخلي .اكتشفتُ أنّ جبل المشاعر قد نزل إلى الدرك الأسفل من روحي وإرتفع الأنا الأعلى فاتراً عظيماً هكذا تحولت إلى تمثال رخامي.

بدأتُ أتعود على حالة الفتور بداخلي وأتأقلم معها، تساعدني كثيراً في تخطي بعض حالات الهبوط الاضطراري لمعدلات الأمل المكافح الذي ورثته عن أبي . وفي آخر زيارة الى قبر أبي بمناسبة عيد الاضحى -أمي تعودت على الذهاب بِنَا هناك في كل عيد بعد صلاة العيد -لأول مرة منذ 5 سنوات ومرور 6 أعياد اضحى ومثلها من أعياد الفطر لم أبكِ

غسلتُ قبر أبي بالماء وكنست التراب الذي بجواره ونظفت حوض الزرع حوله ونثرت حبوب القمح للعصافير فوق رخامه البارد ووضعت الزهور التي قطفتها ذاك الصباح الندي من حديقتنا ولم أبكِ، قرأت الفاتحة بوجوم ورفعت عينيّ الى السماء بوجوم ونظرت إلى المقابر الجديدة التي شيدت  بجوار قبر أبي بوجوم . كان الفتور قد أخذ مكانه بداخلي تماماً ما عدت أبكي على القبر لساعات مثل كل عيد، ما عدت أقاوم ذراعي أمي وهي تحاول إبعادي عن القبر حين تدق لحظة مغادرة المقبرة، ما عدت أختنق بالبكاء مثلما كنت أفعل.

صرتُ أرى الرخام البارد فوق قبر أبي ولا أشعر إلا بالفتور. صرتُ أراه مجرد قبر لا حياة فيه، كَأَنَّ  طينه لا يضم رفات أبي وكأن أبي لا ينام تحته كَأَنَّ أبي لم يمت أصلاً.

هذا هو الفتور. الفتور جعلني أبقى هادئة يوم عرفت أن الصحيفة التونسية التي رشحها لي إعلامي كبير في قناة عربية كبيرة للعمل معها قد أقفلت فجأة لأن صاحبها لم يفز بالانتخابات، يومها حالة الفتور التي تسكنني ساعدتني كثيراً لا على تقبل الأمر بل على تجاهله تماماً كأنه لا يعنيني كأنه لا ينسف فرصتي الأخيرة بالعمل في تونس.

الفتور…شكرا لله على الفتور. تأخر فتوري كثيراً وها هو يسكن بداخلي الآن،  ينمو مثل نخلة باسقة بشكل مفاجئ وسريع حتى ما عادت الرياح تسقطني حين تهب بقوة. الفتور جداري العازل وسترتي الواقية من الرصاص وطوق نجاتي.

بالأمس كنت أسأل نفسي عن حالة الحب التي أعيشها إن كانت تأثرت بسيول الفتور بداخلي، بهدوء شديد سألت نفسي إن كنت أحب مثلما كنت أحب . نداء الفتور بداخلي نصحني بعدم التفكير، وضعت اسطوانة لفيروز “مش فارقة معايا ” وغصت في أريكتي تماما،  وضعت السماعات في أذني وتركتها تغني لي وحدي ” مش فارقة معايا ” استمتعت بالاغنية كثيراً كما لو كنتُ أسمعها للمرة الأولى. ترحمت على زياد ودعوت بطول العمر لفيروز. الحماسة الوحيدة التي دبت في روحي كانت للاغنية، ذهبت بعدها إلى سريري دون أن أسأل : يعني إيه ذكر ؟

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

10 ردود على فتور

  1. Rochdi كتب:

    أصابني الفتور وأنا أطالعه

  2. تدوينة رائعة يا وجد ربنا يشفيك من الفتور 🙂

  3. Nema كتب:

    البعض يسميه فتور اخرون يسمونه حالة نفسية..ممكن نوع من انواع الأكتئاب لكن الغالبية العظمى تسميه التقدم بالعمر
    اعنقد انها حالة طبيعية صحية يمر بها الأنسان عندما ينتقل من فترة عمرية الى اخرى..كالخريف مثلا الذي هو انتقال من الصيف الحار الى الشتاء البارد…حاولي ان تتعاملي معها بالصبر والتأمل وقد تندهشين اذ تجدين الكثير من النتائج الأيجابية
    اسلوبك بالتعبير كما العادة…اكثر من رائع

    • wajd كتب:

      الاكتئاب سباق للفتور وليس نتيجة له ,,الاكتئاب فيه ردة فعل صقيع أو جمر ,,لكن ردة فعل ,,الفتور مختلف تتوقف كل الأحاسيس رغم إدراكها تتوقف في عملية انتاج أي شعور ,,الفتور لا يعني اللامبالاة أيضا ,,هي حالة غياب في الزمان والمكان ,,أعتقد أنه الاستسلام التام

  4. montagga كتب:

    its so nice ,, i really wonder what brings us this fatigue or this discouragement,, but sometimes ,, i feel that i wanna stay alone ,,so alone even don’t wanna hear or talk to anybody ,,stay calm ,, doing NOTHING,, totally nothing,,
    its a state where we can’t think where we r going,,

    I do like the post ,, hope yo can recover soon ,, me too and all friends who suffering this periodic fatigue ,,,

  5. أحياناً يكون الفتور رحمة لكرات النار المتقدة يا وجد …. فهي أيضاً تنوء بحرارتها و نورها في عالم يلفه البرود و الظلام في أغلب الأحيان … عالم يحب الناس فيه شيئاً من الحب و يتوافر لديهم بعض من كرامة و يغالبون رغبتهم في الإستلقاء و الإستسلام بشئ من الشجاعة الباهتة
    بعض من الفتور لا يؤذي أحداً و يريح صاحبته من عزلة الأذان في مالطة

    • wajd كتب:

      الفتور رحمة ؟ لا أدري . لكنه حالة غريبة فعلا خصوصا حين يكون المرء متقدا ..الفتور تراكمات ربما لحالات انكسار عديدة أو لحالات تأمل طويلة ,,لا أستطيع التعرف على مدى استمتاعي بهذا الفتور ,هل أنا أستمتع بذلك ؟ لا ,,بالمختصر لا أشعر بشيء فعلا أترك الأمور تسير على هواها كيفا اتفق ,,

      • ربما كنت أتحدث عن نفسي لا عنك 🙂
        أحياناً أتوق لبعض الفتور عله يخف حدة التوتر داخلي … و لدي نوع من الحقد البرئ … أو هي غبطة لهؤلاء الذين يغيظني فتورهم في مقابل اتقاد فكرة أو توهج إحساس
        فأدعو عليهم بالقلق و لنفسي بالفتور “المؤقت” … أهي أفكار ترللي بتجيلي كده ساعات 🙂

  6. هو ليس فتور لقد خرجت من الصوره وجلست مشاهده للاحداث

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s