خلص البنزين بها اليومين

كنت أتمنى أن أعيش حياتي كما لو كانت فيلما ,أن أشاهدها من بعيد وانا تحت بطانية آكل أيس كريم أن اتفرج على تفاصيلها المثيرة والأقل إثارة دون أن اتدخل وأن ينتهي الفيلم بجملة ” انتهى الامر لا تخشي شيئا أنا هنا ”

بهذه الجملة تنتهي معظم أفلام الأكشن الأميركية ,,حين يركض البطل المغوار وهو ينزف وقميصه ممزق يكشف عن صدر رجولي وعضلات مفتولة أو صدر نحيف وقلب مفتول , يركض الى حبيبته ليأخذها بين ذراعيه وهي لا تنزف بل تكتفي بكدمات على وجهها بعد ساعات مطاردة أمضاها ” الأشرار ” في ملاحقتها لسبب من الأسباب انتهى الأمر لا تخشي شيئا أنا هنا

جملة عبقرية تتكرر بطريقة او بأخرى في السيناريوهات السينمائية الامريكية بلكنات مختلفة,,

ينتهي الفيلم على ذلك العناق وتلك القبلة الطويلة وسط عدد من السيارات المهشمة في شارع يكسو إسفلته الدماء – وأحيانا من أجل قليل من الرومانسية يضيف المخرج مطرا في المشهد الأخير – وصفارات سيارات الأف بي اي التي دائما ما تأتي لحظة ينتهي كل شيئ ويكون البطل قد صفى بقدرة قادر كل الأشرار وقيد بعضهم ولكم وجوه بعضهم الآخر ,,

وتبقى أضواء سيارات الشرطة الحمراء والزرقاء تلمع في المشهد الأخير وصور الصحافيين في الخلفية يتزاحمون لأخذ تصريح والكاميرا تبتعد رويدا رويدا عن تلك القبلة قبل ان ينطلق جينيريك النهاية بأغنية أبقى أبحث عن اسمها في الجينيرك حتى النهاية حتى انزلها واسمعها لمدة أيام

انتهى الامر لا تخشي شيئا أنا هنا

في الواقع المعاش الذي هو حياتي أنا وحياة الملايين مثلي من البنات ..القصة لا تنتهي بهذه الجملة ,,فلا ينتهي الأمر وأبقى على العكس أخشى كل شيئ أكثر من الأول حتى الظلمة يحدث أن نصير نخشاها ونحن كبار مثلما حدث معي منذ آخر كابوس رأيته حين رأيت في ما يرى النائم أن ماما تزوجت رجلا بعد وفاة أبي وكنت أبكي في الكابوس وألومها بحنق وهي تقول لي لكني أحبك يا ابنتي ,,

صحوت بعدها ووسادتي مبللة ,كما لو كان أبي قد مات حينها وكما لو كانت امي قد تزوجت فعلا بعد أبي. وأمضيت يومي وانا أراقب أمي كأني اتعرف عليها لأول مرة وهي تتأمل في بشكل مندهش وتحسبها احدى نوباتي الغريبة التي صارت تنتابني منذ صرت دون عمل

آه نسيت أخبركم أني دون عمل ,,أنا صحفية لكن دون عمل كما تقول صديقاتي للتصحيح وكأن عبارة ” صحفية دون عمل ” أشيك لي من جملة ” انا دون عمل ” ونقطة الى السطر.

فقدت عملي في حادث سير للحقيقة ..نطقت بالحقيقة فداستها سيارة مجنونة فقدت على إثرها عملي وتلك قصة طويلة

أصحو كل صباح باكرا كما لو كان عندي روبورتاج ,,اخذ دشا سريعا واسرح شعري واغير ملابسي واجهز قهوتي وألتهم الصحف الصباحية ونشرات الأخبار على التلفزيون والاذاعات ,,أكون جدية جدا وأنا افعل ذلك كما لو كنت خلف مكتبي في قاعة التحرير بل أحيانا أعتدل في جلستي خلف مكتبي كما لو كنت في قاعة التحرير أضع ساقا على ساق وانا اكتب – مع فرق بسيط أني لا ألبس في البيت كعبي العالي – وأمضي في الكتابة

كل صباح اذن أبدأ عملي الصحفي غير مدفوع الأجر بتفان وحماس ..

في عقلي الصغير أفعل ذلك كل يوم ,,فأكتب بنهم وأقرأ بنهم ,,أحبر ورقا كثيرا وألقي في القمامة ورقا كثيرا ,,أستشير رئيس تحرير الافتراضي – غير موجود أصلا – أسمعه بانتباه شديد أقترح عليه أعارضه ,,والمشكل في أعارضه هذه وأنا أعارض رئيس تحريري الافتراضي القابع في رأسي ,,

أعارض خط التحرير الجبان الذي يعتمده لكن عوض أن يقيلني هو , أنا من يقيله وأعين رئيس تحرير آخر مكانه وهكذا

انها امبراطوريتي امبراطوريتي أنا حيث أكتب في الشيفت وخارج الشيفت واعمل دابل شيفت وايام الاعياد والآحاد ولو مرضت لا ارسل شهادة طبية بل ابقى اكتب في سريري تحت البطانية ,وحتى لو طلب مني رئيس التحرير ” الي في دماغي ” ان ارتاح فانا لا اسمعه وأستعد لكتابة خطاب بإقالته فورا لو لم يتركني اكتب بسلام

الحياة لا تشبه فيلما ..قطعا لا تشبه فيلما

الحياة صراع ,كفاح ,مسرح جريمة ,,لو سقطت تداس يا ويلك لو تسقط

في ذلك الحادث ..حادث السير الذي فقدت فيه عملي لم أسقط بل مددت يدي لمن أوشك على السقوط فجاءت سيارة مسرعة لتدوس تلك الحقيقة التي بحت بها على الملأ في لحظة سذاجة انسانية قبل ان تكون شجاعة انسانية ,,فسويت كل المبادئ بالأرض ,,

الحياة لا تشبه فيلما ..قطعا لا تشبه فيلما

حين تنطق بالحقيقة في الحياة لا تنتظر مكافأة في آخر الفيلم بل انتظر صفعة مدوية على وجهك تذكرك بأنك ” مش في فيلم ” أنت في غابة

انا كنت في غابة إعلامية ,,نعم غابة إعلامية. في تونس عملت في غابة وفي الخليج عملت في غابة أخرى. وحتى تحيا في هذه الغاب وتلك ,,عليك أن تتسلح وأن تحتمي بعشيرة بقبيلة بقطيع براعي احتمي بأي شيء لكن لا تعمل وحيدا ,,

الوان مان شو لا يعمل في الغابة الاعلامية وانا الان في مفترق طرق ,,

أكتب الآن في جنح الليل اعترافا بأني ربما سأجبر ,أقول ربما على العمل في وسيلة اعلام ” مغايرة لمبادئي ومعاكسة لأقدار الثورات العربية ”

,,قبل أشهر رفضت احداها لأنها مرتبطة بنظام يقمع شعبه وممولة من زعيم مناصر له ,,قلت في نفسي ” خبز وماء وبيع المبادئ لا ” نمت يومها راضية عن نفسي رغم رسالة النقد اللاذع التي وصلتني من زميلي السابق وفيها يذكرني بأن المبادئ لن تطعمني خبزا وبأن المبادئ هي سبب خسارتي لعملي وبأن المبادئ تؤول بالوبال على صاحبها وبأن ” ثورتك في تونس لم تفعل لك شيئا يا صديقتي ”

نمت كطفلة ليلتها غير مكترثة بتلك الرسالة ,لكني حين صحوت وجدت أن واقعي لم يتغير بفضل ضميري المرتاح ,حين يرتاح الضمير تنمو الأزمات ,لا يوجد بطل يركض اليك لينقذك وهو يدمي وقميصه ممزق ليقول لك لا تخشي شيئا أنا هنا العكس تماما يحدث ,,انت وحدك تدمي ولا احد هنا ولا شيء ينتهي الحياة ليست فيلما وان كانت الدراما المعاشة في الواقع تفوق أحيانا أكثر السيناريوهات السينمائية الدرامية نقلا للواقع ,,

في الحياة تعيش فصول الدراما بمفردك دون مخرج يوجهك ودون كاميرا ترصد حركاتك دون فترات راحة قصيرة تأخذها في مقصورتك بين مشهد وآخر وانت تعدل مكياجك وتسريحة شعرك .

الحياة مشاهد متعاقبة دون فواصل إعلانية ولا فترات راحة ,,

الحياة دراما متكررة, الحياة أكشن لكن دون فيلم ,,

لكمات كثيرة تسدد لوجه أحلامك حتى تدمي وتنتفخ عيناها وتنقلب تفاصيلها المنمنة الرقيقة ,,وكلما تكررت اللكمات انقلب وجه أحلامك من جميل ناعم منمنم الى قبيح مشوه غليظ حاولت كثيرا أن أحمي أحلامي من التشويه أن أتفادى اللكمات الكثيرة الموجهة الى وجهها أن أعفيها من النزيف من أن تفقد إحدى عينيها ..حاولت يشهد الله أني حاولت

كان أبي يوصيني بأن أجعل الحلم كبيرا بداخلي بأن أجعله يكبر ويكبر لأنه كلما كبر الحلم كلما كبرت الإرادة وصقلت العزيمة واشتد عود الشجاعة ونضجت التجربة . ويوم نصحني أحدهم بأن أتوقف عن الحلم ,,توقفت آلة الحياة بداخلي ,,كما لو كنت حاملا وأجهضوا حملي غصبا عني ,,

توقفت عن الحلم فتوقف التفكير وتجمد القلب حتى كتاباتي توقفت عن التحليق وصارت أرضية بل غاصت قدمين تحت الأرض وطلعت منكوشة الشعر مغبرة الوجه ,, كل ما يحدث حولي وبجواري يدعوني للتخلص من الحلم

قبل أشهر كان الحلم هو كل المعجزة كل النصر كل الفخر في هذا الوطن وخارجه . صدرنا الحلم وبقينا نجتر الواقع ,,

صدرنا الحلم بل هربناه عسى أن يعيش في الخارج أفضل منا كأننا قوم لا نستحق الحلم ,,ولا يستحق الحلم أن يعيش بيننا عدنا الى نقطة الصفر ,,الى الانكسارات والرضا بالواقع والصمت المتخفي وراء الحيرة التي لا نبوح بها ,,عدنا الى الخوف من الآخر من تقييمه لنا من حكمه علينا ,,من سخريته منا واستهزائه بما نعتقد ونظن .عدنا الى كل ذلك وصارت بطاقات العودة الى الانكسار تصلك كل يوم , تجدها في صندوق بريدك وتحت الباب وفي صندوق رسائلك الالكترونية وتصلك على جوالك ,,دعوات كثيرة للقطع مع الحلم

يوم طلب مني صديق بلطف أن أعود الى كتاباتي عن الحب لأنه يرى فيها ” وجد الحقيقية المجنونة الحالمة ” اعتذرت له ..اعتذرت له لأني ما عدت أقدر أن أكتب عن الحب ,,لأن الحلم توقف ,,

انقطع البنزين بها اليومين والحلم توقف والحب غاص قدمين تحت الأرض وطلع منكوش الشعر ومغبر الوجه وهو يبكي

أعتذر للحب على الإهانة والمرمطة على آخر العمر

أعتذر للحلم على الاهانة والمرمطة على آخر العمر

أعتذر لكتاباتي على الاهانة والمرمطة على آخر العمر

خلص البنزين بها اليومين

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

13 ردا على خلص البنزين بها اليومين

  1. يا وجد.. تقودني كلماتك الى اخر احلامي. ثم تعود بي الى الوراء، ام تراه الامام؟، الى اولها. تستفز في مهارتي في التنفس رغم انعدام الاوكسجين. اتباهى بكل الكلمات .. بقدرتها على ان تجعلنا نضاعف الحياة اكثر من مرة. كم انت مبدعة وشاعرة وحقيقية يا وجد. حتى انني اخجل من الفول الان كم تشبهينني.. لا انا التي اشبهك. حتى ذلك الخلم الخاص بوالدتك مر بخاطري ذات ليل مرعب

    • wajd كتب:

      كم وددت في عميقي أعماقي أن أشبهك ماما سعدية وكم وددت ان أضع رأسي على ركبتيك وحلمت بذلك حين تعجز أمي عن فهمي حين تصمت وانا ابحث عن ثرثرتها حين لا تتذكر انتصاراتي بل تبكي انكساراتي ,,أستدعي وجهك أنت ,,انت أمي الأخرى التي تسكن في بيت بعيد عن بيتي ,,ويحدث أن أسير اليك ليلا حافية القدمين لأقول لك اني لا أستطيع النوم واني صرت أخاف من الظلمة وأني وحدي فتهبين لنجدتي ,,كنت في البقاع المقدسة وكنت اتخيلك في كل لحظة ,,هو نداء الروح للروح
      كنت مثلي الأعلى ولم أتخيل يوما بأن أصبح ابنتك ,,يا لسخاء السماء
      رعاك الله دوما يا غالية

  2. أنتِ خلصت البنزين وأنا ولعت الكبريتة … يبدو انه لا مجال لبعض الدفء من الآن فصاعدا 🙂

    • wajd كتب:

      زياد الرحباني حاضر هنا وهناك ,,بنزين هنا وكبريتة هناك ,,
      تفهميني يا مي كأني بحت بكل شيئ وانا لم أقل شيئا ,,عدى ان البنزين خلص ,,

  3. montagga كتب:

    Dear Wajd,, i think Sadia left me nothing to say ,, she said all what was really in my mind except that the similarity,, i will be so superior if i said i just look like yo,,yo r so wonderful ,,so creative,, and so talent ,, wish yo the best ,, i hope to find a job fast although we gonna miss those calm writings so much ,,

  4. ياسين كتب:

    لا حياة مع اليأس…
    مقال رائع و أروع منه ثبوتك على مبادئك و تحليك بالصبر. لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا, أنا كذلك كنت بلا عمل قبل فترة و مررت بنفس التجربة التي تمرين أنت بها الآن و لذلك قرأت كل كلمة كما لو أني كاتبها.
    شكرا و واصلي الكفاح فإن الإستسلام ليس من شيم المتوكلين

    • wajd كتب:

      لم أتخيل يوما أني سأفقد عملي ,,وتلك هي المفارقة الكبيرة التي يتولد عنها الوجع
      أن يتغير كل شيئ فجأة ,,وربما من الوجع تولد الكتابة

  5. ليس فقط رائعٌ ما تكتبين .. بل أيضاً رائعةٌ أنت عزيزتى 🙂
    من أجل صنيعك, ومن أجل تكبدك المعاناة والمشقة, .. تأتى كلماتك عظيمة, عظيمة فى أثرها فى نفوس من يقرأون لك ..
    هنيئاً لك بخيارك النبيل .. وليخفف الله وليمنن بفضله.

  6. شكرا لك اخت وجد فكلماتك كان لها وقعا جميلا على نفسى , لقد دغدغت مشاعرعميقة بداخلى فى دنيا ضيقة الأفق لا نستطيع أن نعبر فيها عن مشاعرنا النبيلة إلا بحسابات دقيقة وعسيرة .. اللهم إنى خرجت من قراءة تلك الكلمات وبداخلى تفائل أكثر مما أى وقت أخر.. أسمحى لى فقط ان أنول شرف أطلاع عينيك الجميلتان على كلماتى.. لقد سطرتها وانا أشعر بأن الحياة التى نبغاها والتى صورتيها أنت بمثال الفيلم الأمريكى ذو النهاية السعيدة ليست فى كل الأحوال كما نتصور.. إليك الرابط :

  7. خلط العام بالخاص امر تجيده وجد

  8. ربما انت خسرت عملا ولكن كسبنا نحن حاله الشجن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s