عبد الواحد …الزفت

الزفت. كانوا يسمونه الزفت بمناسبة ودون مناسبة، وبسبب انتشار هذه الكنية داخل المعهد وخارجه كلما نادوه، نسي إسمه الأصلي : “عبد “الواحد
.عبد الواحد صار الزفت ورضي بذلك

ناظر المعهد كان أول من أطلق عليه هذا الإسم حين أطرد من قاعة الدرس ذات خريف في أول العام الدراسي وأمرته أستاذة الأنجليزية بأن يحمل أدباشه ويذهب إلى مكتب الناظر فورا لأنها ضاقت ذرعا – بعد حصتين فقط – بمشاكساته داخل الفصل.

الزفت، أقصد عبد الواحد .كان “مريضاً” بالرسم، لا الرسم التجريدي ولا التكعيبي ولكن رسم الكاريكاتير

يختار عبد الواحد في بداية كل عام دراسي المقعد الأخير في الفصل ويترك بقية التلاميذ يتفاوضون على الكراسي الأمامية
يقفز عبد الواحد إلى كرسيه قفزا يمد جسده فارع الطول ويفرد رجليه وحذاءه الرياضي المغبر العابر للكرسي الأمامي إلى أبعد ما يمكن، يستل قلم رصاصه من خلف أذنه ويبدأ بالرسم

ولأنه يقدر الأستاذ ويقوم له ويوفه التبجيلا، يبدأ عبد الواحد (الزفت)  برسم الاستاذ قبل أي شخص آخر في الفصل فيحتفي به كما يليق برسام كاريكاتير أن يحتفي بشخصياته، يدقق في تقاطيع الوجه وفي حركة الجسد تساعده في ذلك دقة الملاحظة وسرعة البديهة وقدر غير هين من خفة الروح.

كل الأنوف ضخمة عند الزفت ولا يحتاج ذلك إلى تدقيق طويل لتخرج على الورق، تبقى التفاصيل الأخرى التي يحاكيها في ذهنه بكثير من المبالغة, المؤخرة البارزة تصير ضخمة والبطن الظاهرة من تحت القميص تصير كرشا تدفع بأزرار القميص الى الانفجار فيظهر أستاذ الرياضيات بقميص مقتلع الأزرار وكرشه خارجة الى الأمام تلامس الطاولة ونظاراته مقعرتي الزجاج فوق أنف ضخمة تبرز الشعيرات منها بشكل مبالغ فيه ومقرف وخلفه سبورة تمتد عرض الحائط وعليها طلاسم رياضية وغير منطقية في إشارة إلى أن أستاذ الرياضيات عاجز عن إفهام تلاميذ الفصل.

وأمام أستاذ الرياضيات يرسم الزفت زملاءه في حالة ” ذهول ”  دلالة على أنهم لا يفقهون شيئا من درس الاستاذ الذي يتحدث بسرعة وبصاقه يعبر الصفوف الأمامية إلى الخلفية منها فتنخفض الرؤوس في وقت واحد

الكل في المعهد يعرف ان الزفت رسام كاريكاتير موهوب بل إنه ‘ فلتة من فلتات الزمان ‘ كما يقر بذلك أستاذ الفنون التشكيلية وتسانده في ذلك التقييم أستاذة العربية.
عدا هاذين الاثنين لا أحد من إطار التدريس والادارة يتحمل الزفت

والناظر تحديدا قرر أن يعاديه عندما وقعت عيناه على الرسم الذي صوره عبد الواحد على أنه راشي يفرك يديه ويغير معدلات التلاميذ حسب ” العطايا” وما أكثر العطايا التي تنزل هبة من السماء ومن الأولياء على الناظر في كل المناسبات مقابل ألا يرسب أبناؤهم.
الناظر تفرغ لعبد الواحد وصار يترصده في ساحة المعهد وأمام بابها خارج الفصل وداخله ‘ عمل راسو من راس عبد الواحد ‘ و ‘ استناه في الدورة ‘ كما يقول رفاق عبد الواحد الزفت

أستاذة الانجليزية إمرأة جميلة قوامها ممشوق وعبد الواحد لا يرى في ” مدام نوال ” غير وجه وجسد قابلين للرسم الكاريكاتيري . جمالها لا يعنيه شخصيا بل يعني قلم رصاصه وغرورها لا يعنيه شخصيا بل يعني قلم رصاصه , ومبالغتها في اللكنة الأميركية لنطق الانجليزي لا يعنيه بل يعني قلم رصاصه .

لكن مدام نوال لم تفهم أن عبد الواحد لا يفكر بها اطلاقا وليس متيما بها وليس مركزا على صدرها – رغم أنه فعلا جميل ومغري – عبد الواحد كان يرسم صدر مدام نوال ” الامريكاني المحشو بالسليكون ” ضخما مكتنزا ثائرا بارزا من تحت فستان خليع مكشوف الصدر.
مدام نوال ” البورجوازية ” صارت سوقية مبتذلة ذات أنف طويل كثيرا ومؤخرة مرتفعة كل ذلك بقلم رصاص الزفت

في الحصة الثالثة أمسكت به متلبسا وهو يرسمها كانت قد قررت أن تمسكه متلبسا وأن ” تربيه ” ولأنها ” بورجوازية ” حتى في خبثها لم تتركه يكمل الرسم لتنقض عليه ,,رؤيتها لصدرها نصف مكشوف في ذلك الرسم كان يكفي ليذهب بنصف عقلها ,افتكت منه الورقة وشرع التلاميذ في التصفير ” آه يا عبد الواحد شدتك ” وهو ببرودة دم يقول لها ” مدام لم أكمل رسمي ,,باهي خليني نكملو على الأقل وبعدها طردني ”

انتهى يومها أمام مكتب الناظر الذي كان ينتظره ” ”
وقع عبد الواحد، وقع الزفت،
أطرد من المعهد مرتين ومثل أمام مجلس التأديب مرتين وفي الثالثة وقع المحظور

…عبد الواحد في الشارع
الزفت مطرود من المعهد ولم تشفع له أستاذة العربية المتضامنة مع موهبته ومع حالته الاجتماعية والراغبة في انقاذه “من براثن الشارع ” مثلما لم تشفع له علاماته الممتازة في مادة الفنون التشكيلية، هذه المادة  لا وزن لها في التركيبة الادارية للمعهد ولا وزن لها في الفكر المسطح غير التكعيبي للوزارة

إلتقفه الشيوخ خارج المعهد فتحوا له باب المسجد وباب الغفران في لحظة ربانية نادرة
انغلقت أبواب المعهد في وجه الزفت وفتح باب المسجد ومن ورائه شرعت الطريقة السلفية في وجه عبد الواحد كل أبوابها

لحظة ربانية نادرة قال له الشيخ “ربي بعثني ليك لأهديك ” انظر الى اسمك يا بني اسمك عبد الواحد التوحيد طريقك ومصيرك وقدرك
الكاريكاتير سبب بلائك انه من صنع الشيطان
كل الرسوم من صنع الشيطان يا ولدي فكيف لو كان الرسم كاريكاتير يشوه ما خلقه الخالق وأبدع في تصويره يا ولدي

وثنية الرسوم سقطت مرة واحدة في ذهن عبد الواحد الزفت
نظفوا عقله بخراطيم مياه قوية، مياه متدفقة بسخاء غسلت المخ حتى آخر ” جرثومة من جراثيم الزندقة والإلحاد والتصوير الشيطاني المجسم لمخلوقات الله ”

وحين ” نظف مخ عبد الواحد الزفت ” كانت أقلام الرصاص قد اختفت نهائيا والمؤخرات المكتنزة سويت بالأرض والصدور البارزة سطحت تماما وأحرقت في حفل شواء روحي

عبد الواحد الزفت صار طاهرا عفيفا، لحية كثة وقميص أفغاني استبدله بزي برتقالي في غوانتنامو، ذهب” لنصرة الله ” فوجد نفسه في غوانتنامو,,

هكذا جنوا جميعهم على عبد الواحد ..شهر الزفت

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to عبد الواحد …الزفت

  1. أشعر بشيء من الخجل أن يترك مثلي تعليقا على ما تكتبينه لأنه لا يحتاج شهادتي ،،، لكني مجبر على القول أنك مبدعة :))

  2. zekrish كتب:

    في مصر كان عندنا أمثلة كتير زي عبدالواحد ، واضح إن كل الانظمة القمعية الفاسدة بتوصل لنفس النتيجة في النهاية

  3. ossama كتب:

    you are so full of emotions.. most of it is anger

  4. eltawargyyy كتب:

    فكرتينى بواحد اعرفه كان فى كليه الحقوق والان اصبح مجرما بسبب نفس الظروف تقريبا والان يمضى الى مستقبله القتل او الاعدام ..شخصيه متكرره جدا (جعلونى مجرما)
    تسلمى على التدوينه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s