رسالة إلى رئيس تونس الجديد

سيدي الرئيس
سيدي رئيس الجمهورية التونسية
في البدء وجب توضيح إلى أي رئيس في تونس أوجه رسالتي اليوم
لأنه في تونس بعد انتخابات التأسيسي – تلك الانتخابات التي ولدت من رحم الثورة للتذكير – وفوز النهضة بالأغلبية النسبية للمقاعد فيه وجدنا أنفسنا أمام رؤساء تأتي بهم التحالفات ولا تأتي بهم صناديق الاقتراع.

لدينا ثلاثة رؤساء لست أهمهم : رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر الذي تمت تزكيته من قبل تحالف النهضة والمؤتمر والتكتل ورئيس للجمهورية ممثل في حضرتك ,,حضرتك الذي لم يتم انتخابه من قبل الشعب ليكون رئيسا للجمهورية بل جرت تزكيتك أيضا من قبل التحالف نفسه بعد إصرارك على الحصول على هذا المنصب وتهديدك بالانسحاب من الترويكا إن لم يتم ذلك
ورئيس للحكومة – لم يتم الإعلان عنه رسميا طبعا لا من باب التمويه ولكن من باب المواربة السياسية إلى حين – ممثلا في حمادي الجبالي أمين عام النهضة .

سيدي الرئيس أكتب إليك رسالتي هذه قبل ساعات قليلة من ” انتخابك الصوري ” رئيسا للجمهورية التونسية من قبل المجلس التأسيسي ..وقيل في أروقة السياسة غير البريئة إنك وصيف لرئيس الحكومة مثل بن جعفر الوصيف الثاني
لا أدري هل أهجوك أم أرثيك في رسالتي هذه ,,لكن ما أعرفه أنه علي أن أكتب إليك اليوم قبل الغد لأني من الواقفين طويلا في طابور الانتظار في هذه الوطن ..أنتظر ديمقراطية دستورية لا ديكتاتورية دستورية أنتظر عملا مثل الآلاف من العاطلين في هذا البلد – وربما العمل لن يكون أولويتك على عكس ما قلته إبان الثورة من فوق منابر عديدة أيام المخلوع بن علي- أنتظر فصلا بين السلطات لا تجميعها في قبضة واحدة مثل عهد المخلوع , أنتظر توازنا بين الرئاسيات الثلاث الجمهورية والتأسيسي والحكومة

في عهد المخلوع كنا نبكي جمعه لكل السلط في يده بوصفه رئيسا للبلاد . تحت هذا المسمى منح نفسه صلاحيات واسعة تضمن له السيطرة المطلقة على دواليب الحكم السياسي والجيش والقضاء ,,لم يبقى مجال إلا وبسط حكمه فيه
سيدي الرئيس ” المرتقب ” كما يسميك الكثيرون للتمويه وكأنك لن تكون الرئيس بعد ساعات قليلة ,,إني أشفق عليك ,أشفق عليك لأنه لا صلاحيات تذكر تركت لك ,,وكأنه لإصلاح اعوجاج شمولية الحكم المستبد ممثلا في بن علي والقطع معه توجب بالضرورة نزع كل الصلاحيات للرئيس الموالي – وهو حضرتك –

ستكون رئيسا للجمهورية دون صلاحيات وإني أشفق عليك وأشفق على نفسي
كل الصلاحيات منحت لرئيس الحكومة وستكون حقا وصيفا له مع الاحتفاظ لك بحق التحية – سيدي الرئيس – فهل هذه العبارة تكفيك لتشعر بأنك قد أديت واجبك تجاه الوطن ووفيت بعهودك للشعب التونسي قبل خلعه لبن علي ونفذت وعودك الانتخابية التي كررتها مرارا قبل 23 اكتوبر ؟؟؟

أنت تعرف الاجابة ,,ونحن أيضا ,,فلا فائدة من التذكير بها
فقط أذكرك بأنك ستدخل القصر الجمهوري الليلة وستكون مجردا من الصلاحيات ,
إخترت التحالف مع حزب سياسي ديني أنت العلماني المعتق من أجل منصب صوري ,لا يغنينا ولا يغنيك
قدرنا أن نبقى – نحن السلطة المضادة – منتبهين يقظين مستنفرين معولين على أنفسنا حتى لا تنساق الأغلبية النسبية التي تحولت إلى أغلبية مطلقة إلى حب السلطة ,وإن كان جشعها اليوم يكفي ليكشف حبها للسلطة حبا جما وتوقها إلى جمعها في قبضة واحدة مع مباركة منك .

يا لسخرية القدر , كنا نوقع في عرائض ضد السلطة المطلقة لبن علي بوصفه رئيسا ” كليانيا ” للجمهورية فإذا بنا نوقع على رسائل تطالب بمنح حضرتك الرئيس الجديد المرتقب صلاحيات أوفر لا من باب الشفقة على شخصك وتكريما لماضيك النضالي الطويل ولكن حرصا على اضفاء توازن بين السلطات ورفضا لاستحواذ طرف عليها كما كان يفعل المخلوع

أكتب إليك رسالتي هذه وأنت الرئيس الرابع لتونس منذ الاستقلال -ولا أريد أن أحتسب محمد الغنوشي الذي تحمل رئاسة الجمهورية لاربع وعشرين ساعة رفقا بالتاريخ – حتما ماضيك يشهد لك لكن حاضرك يباغتنا وعوض أن نهجوك لتفريطك في القيم التي كنت تدافع عنها وانت في المنفى نجد أنفسنا نشفق عليك ونكاد نتعاطف معك رفقا بأنفسنا وبمعدلات الأمل المتدنية فينا .

ما يحدث اليوم هو تشويه للثقافة الديمقراطية ,,تشويه يتم باسم تلك الأغلبية التي فازت وباسم ذلك التحالف الذي تم وكأنه سيف مسلط على رقابنا ,,كلما انتقدنا الانزلاق الواضح يرمينا البعض بعدم القبول بنتائج الانتخابات وكأن القبول بها يعني قسرا التوقيع على بياض على أن يحكم الفائز بما يشاء كيفما يشاء تماما مثلما كان يفعل فائز الأمس القريب .

أكتب إليك اليوم رسالتي الأولى ولا أعرف إن كانت ستكون الأخيرة ,فحزب النهضة الاسلامي ينوي سن قانون يجرم ويحرم المساس بالمقدسات ولأنه لم يحدد ماهية هذه المقدسات فربما ستكون من بينها ,,ربما إرتأوا لك أن تصير مقدسا يحجر المساس بك أو انتقادك ما دمت حليفا لها وصيفا لها مقتادا إلى سلطتها طوعا لا كرها ..

الليلة ستصبح رئيسا لتونس ,,وفي انتظار الخليفة الراشد السادس الذي بشرنا به السيد حمادي الجبالي – الذي ستعينه حضرتك رئيسا للحكومة غدا في إطار التمويه السياسي المبدع الذي يصورك على أن لك صلاحيات والحقيقة أنك مسلوب منها – يحق لي أن أكتب لك بل للتصحيح أكتب الى السيد المنصف المرزوقي غير المقدس الذي كنا نقرأ له خلسة أيام بن علي ونذكر إسمه استقواء بالمعارضة المنفية الممثلة فيك وفي البقية , أكتب الى المرزوقي الذي كنا نراه يتمتع ببعد نظر من خلف نظاراته الأنتيكا رجل مبدأ ومناضل من أجل الحرية ومكافح ضد الديكتاتورية ولم أتخيل أن أكتب لك يوما أنبهك إلى أن هذه الديكتاتورية صارت على أبوابك لأنك منزوع السلطات لا حول لك ولا قوة الا بالنهضة,,باسم مستعار اسمه الديكتاتورية الدستورية التي ترتدي ثوب الديمقراطية ستمارس الاغلبية السلطة المطلقة باسم الشعب وباسم الدستور

عدنا إلى مربع البدء ..تلك السلطة المضادة التي هي نحن ,,نحن المنبوذون المهمشون المكروهون من السلطة كلما قلنا حذار رمونا بالتآمر ,,سيضيفون هذه المرة التآمر والزندقة والكفر والتطاول على المقدسات ,,
وفي انتظار أن تصير مقدسا بتزكية من تلك الأغلبية
تقبلوا سيدي الرئيس المرتقب خالص تحياتي
عاشت تونس حرة مستقلة ديمقراطية ولو بعد حين

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to رسالة إلى رئيس تونس الجديد

  1. Hi,

    This is a well written letter full of sensitiveness and sadness.
    Unfortunately politics is so, and deception is the only thing left
    now in Tunisia after the hopes this “rêve-illusion” brought.
    I learned to not trust anybody, and to be more careful about
    people with whom I feel more comfortable, because their betrayal
    are harder to digest.

    Sincerely,

    Exaybechy

  2. السلطة المضادة التي هي نحن ,,نحن المنبوذون المهمشون المكروهون من السلطة كلما قلنا حذار رمونا بالتآمر ,,سيضيفون هذه المرة التآمر والزندقة والكفر والتطاول على المقدسات ,,
    وفي انتظار أن تصير مقدسا بتزكية من تلك الأغلبية
    تقبلوا سيدي الرئيس المرتقب خالص تحياتي
    عاشت تونس حرة مستقلة ديمقراطية ولو بعد حين

  3. Houssem كتب:

    Excellent article, bravo…

  4. Mosaab كتب:

    من حق اي طرف الامتناع عن التصويت. ذلك أحد أسس الديمقراطية. غير أن حجة “النتيجة معروفة مسبقا” حجة باهتة وتضر مصداقية قائلها فكأننا لم نكن نعرف النتيجة في انتخابات بن علي، والممتنعون في انتخابات اليوم شاركوا في انتخابات بن علي. لكن لنركز على الحجة الثانية: “لا نريد رئيسا بدون صلاحيات”. ماهو منطق هذا الاعتراض؟ يعني اضافة الى ان الرئيس لديه بعض الصلاحيات وليس “بدون” (خاصة في التعيينات في مجالي الخارجية والدفاع) لما يجب أن يكون الرئيس بصلاحيات كبيرة؟ يعني السؤال في أي مدرسة لمحو الامية في الديمقراطية يمكن أن نقرأ أن “رئيسا بصلاحيات كبيرة” الضمان للديمقراطية؟ الضمان للديمقراطية يختلف حسب النظام السياسي في كل سياق خاص.. في تونس الآن هو خضوع كل السلطة التنفيذية بما في ذلك رئيس الحكومة (الذي توافق عليه الائتلاف الحكومي بوصفه مركز السلطة التنفيذية) والرئيس نفسه للمجلس التأسيسي. خاصة انه يمكن سحب الثقة من الحكومة بالاغلبية المطلقة (50% +1) وهذا عمليا وسياسيا لا يجعل الحكم في يد حزب واحد. مع احترامي للاخوة “قادة المعارضة” هذه حجة صبيانية. أحيانا تبدو تمنيات “المعارضة” بمواجهة “دكتاتورية جديدة” دافعا لكي لا ترى الواقع وترى سراب دكتاتورية، و لكن هل الارتياح للدور الوهمي المتمثل في “مواجهة دكتاتورية” سيجعل هذه الاطراف أكثر نضجا؟ خاصة أنها حتى الآن تبذل جهودا في شيطنة خصومها اكثر من جهود النقد الذاتي والتفكير في اسباب كونها الآن في وضع “الاقلية” ووضع “المعارضة”. للتذكير طبعا: كلمة “المعارضة” ليست دائما امرا ايجابيا كما كان الشأن في عهد بن علي

  5. mahmoud magdy كتب:

    ياسيد مصعب يسعدنى ان اقول شيئا هاما فى هذا الصددوهو :.
    وان سلمنا حاليا بالديمقراطية النيابية وعيوبها يجب ان يكون هناك حد ادنى من مبادئها وهو مبدأ الفصل بين السلطات او قل ” التوتزن بين السلطات” لكى لاتستبد سلطة ما بالحكم فيجب أن تستقل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية إذ لا يملك رئيس الدولة باعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية حق دعوة البرلمان للانعقاد العادي أو فض دورته أو حله. و يباشر البرلمان وظيفته التشريعية باستقلال تام، بحيث لا تستطيع السلطة التنفيذية اقتراح القوانين، أو التدخل في اعدد ميزانية الدولة.كما أنه يستقل من الناحية العضوية عن الحكومة.
    وايضا تستقل السلطة التنفيذية في مباشرتها لوظيفتها، إذ يقوم رئيس الجمهورية بتعيين الوزراء و إعفائهم من مناصبهم دون تدخل من البرلمان. كما لا يجوز محاسبة الوزراء عن أعمالهم أمام البرلمان عن طريق توجيه الأسئلة و الاستجوابات، أو سحب الثقة لأنهم مسئولون أمام رئيس جمهورية فقط.
    وهو للاسف ليس حاصل الان

  6. ala كتب:

    لا معارضه داخل المجلس فهم ينتمون للسلطة التأسيسية و التشريعية ولسنا في صدد نظام ديمقراطي كلاسيكي فيه أغلبية و معارضة…ثم عن أي توازن تتكلمون فلا يمكن الحديث عن توازن في صلب السلطة الواحدة بل الديمقراطية تقوم على فصل بين السلط الثلاث وهذا ما نص عليه القانون المنظم للسلطات لهذا فإن ما يطلبه ما يسمون نفسهم المعارضه وأنا اسميهم السلطة المعارضة هو كلمة حق أريد بها باطل الغرض منها الوصول لسلطة تنفيذية مقسمة بدون قابلية للعمل بنجاعة يعني فاشلة من قبل أن تبدأ…ليجنوا هم ثمار هذا الفشل في الانتخابات القادمة دون تفكير بأنو تونس ستخسر الكثير إن حصل هذا !!! و من ثم يناقضون أنفسهم (السلطة المعارضة) و يقاطعون الانتخاب ( انشالله ميكونش بذلك يقاطعون المسار الديمقراطي ) و الذي يدعي الديمقراطية ولا يقبل أبسط أبجديتها وأكثر من ذلك يحاول التلاعب بالعقول البسيطة هو بعيد كل البعد عن الديمقراطية!!! لا أقول أني راضي عن سلطات الرئيس بالعكس لكن في نفس الوقت هذي هي الديموقراطية ان نرضى برأي الأغلبية !!
    PS :السلطة المعارضة مصطلح جديد: النواب المنتخبين الذين يمثلون السلطة التأسيسية والتشريعية ورغم ذلك فهم يدعون أنهم في المعارضة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s