الحارق والمحروق

وأنت تتصفح الجرائد اليومية في تونس كل صباح,تطالعك في صفحات الاعلانات بلاغات ضياع كثيرة ,صور لأشخاص مفقودين وهم في عمر الورود, ورود كان يجدر بها أن تتفتح في جنايننا ,فإذا بها تتحول الى ورود مفقودة

بلاغات ضياع كثيرة منشورة على صفحات الجرائد بأنواعها ,عوض بلاغات عروض الشغل الكثيرة التي وعدونا بها بعد ثورة الكرامة والحرية
بلاغات ضياع مدفوعة الأجر من أهالي تحرقهم اللوعة والحسرة على فقدان فلذات أكبادهم , والأقسى من الفقدان أنهم لا يعرفون مصير فلذات أكبادهم ,,اولئك الذين حرقوا بعد أيام من الثورة

وحرقوا هنا لا تعني احترقوا ,حرقوا فعل يطلق في دول شمال افريقيا على المهاجرين غير الشرعيين الذين يتسللون الى ايطاليا – او اسبانيا بالنسبة للمغرب – على متن زوارق صيد صغيرة , فمنهم من يصل الى السواحل الايطالية ومنهم من يفقد في عرض البحر الأبيض المتوسط ,

في ذلك الصباح كنت اطالع على صفحة واحدة اعلانات ضياع 8 شبان كلهم اختفوا بنفس اليوم , يوم 2 فيفري فبراير 2011 اي بعد أسبوعين من فرار المخلوع
استقلوا زورقا وعدهم صاحبه بأن يوصلهم الى جزيرة لامبادوزا لكن باخرة حربية اعترضت طريق المركب واصطدمت بالزورق الصغير فغرق من غرق واختفى من اختفى ,عادت جثامين الى تونس ولم تعد آخرى وبقى الأهالي لأكثر من عام يبحثون عن فلذات أكبادهم الحارقين الى بلاد الطليان

هربوا من أرض كانت للتو قد صنعت ثورتها ولا نعرف ان كانوا قد استبقوا الاحساس بالخذلان قبلنا جميعا وعرفوا ان لا عمل سيخلق لهم هنا فسارعوا في لحظة ” فلتان أمني على الحدود البرية والبحرية ” بلقاء ” حلم ” فيه مجازفة كبيرة ,مجازفة تصل حد الموت في أكثر الحالات , قمار اذن يحدث في لحظة حاسمة في حياة شباب تعرض عليهم فرصة ” الحرقان لبلاد الطليان ” فيدفعون ملايين لصاحب زورق صغير ليحملهم في ليلة غير مقمرة الى حيث الحلم

حارقون تركوا محروقين عليهم هنا ,,
بدأت قصة الثورة بحادث حرق ,بائع متجول يفتك لقمة عيشه افتكاكا في بيئة فقيرة , الرشوة فيها سائدة , وبطش الأمن بل بطش صاحب كل بدلة رسمية هو السائد ,,بائع الخضار الذي تصادم مع عون للشرطة البلدية – وزيها يمثل كل السلطة – أحرق نفسه فاحترقت القلوب عليه وسارت لتنتقم لأجل الكرامة فتطيح برأس الفساد وبعض من حاشيته

في البدء كان الحرق لكن عمليات الحرقان لم تتوقف.
نجحت ثورة الكرامة في الاطاحة برمز الفساد لكنها لم توقف نزيف الهجرة غير الشرعية ,لا بل أججته
حدث المد العكسي تماما للكرامة ,لطلبات الشغل التي رفعت كأول شعار في ثورة الياسمين ‘ التشغيل استحقاق يا عصابة السراق ” شعار عبقري يعجز ألمع أكاديمي على استنباطه , شعار نبع فجأة في أرض محرومة مسحوقة , الكادحون فيها بالآلاف والعاطلون فيها أكثر وسارقو الآحلام فيها أكثر من هذا وذاك , لكن على روعة الشعار لم تتحقق مطالب الشغل

سنة مرت على الثورة وما زالت الاعتصامات في القرى والمدن متواصلة تطالب بالمطلب الآول للثورة ألا وهو الشغل.
أعود لمن حرقوا إلى أرض لم يصلوها في النهاية , دون وداع استقلوا زورقا في ليلة مظلمة ودفعوا لمهربهم ليحملهم الى حيث ” الأمل ” الأمل الذي توهموه ولم يتعرفوا عليه في النهاية لأن باخرة حربية اصطدمت بأحلامهم في عرض البحر ففتكت بهم وبأحلامهم

وقبلهم كان هناك آلاف من الحارقين, منهم من وصل ومنهم من لم يصل وبعدهم تواصل نزيف ” الحرقان ” الى ايطاليا وكلنا نذكر زيارات المسؤولين الايطاليين الى تونس في موسم حج جماعي لا لتقديم التهاني بثورتنا العظيمة لكن ل” حثنا ” وكلمة حثنا تثير الآلم هنا لا بل الغضب ايضا ,حثنا على مراقبة أبنائنا حتى لا يحرقوا الى بلاد الطليان

بين المحترق والحارق علامة التقاء واحدة ,,هي الموت
البوعزيزي حرق نفسه دفاعا عن الكرامة والمحروق غرق فاحترقت عليه قلوب أهله وهو ذاهب للبحث عما يتصوره كرامة ,,كرامة تأتي في شكل لقمة عيش تخيلها تنتظره هناك لأنه لم يجدها هنا

بين المحترق والحارق علامة اختلاف كبيرة ,
المحترق لا يفكر في الهجرة بل يريد لقمة عيشه هنا لأنها حقه والحارق لا يرى لقمة عيشه الا هناك لأنها ليست من حقه لكنه سيفتكها افتكاكا ما دام يريد الحياة

بين المحترق والحارق ,,شعب بأسره يبكي هذا ويبكي ذاك ويعجز عن إيقاف الاثنين عن الذهاب الى مصيريهما غير المشتهى
لا أحد يريد الموت في هذا الوطن ,,الكل يريد الحياة باشكال مختلفة ففيهم من يصل الى مشتهاه وفيهم من لا يصل

ما زلت أطالع بلاغات ضياع الاحبة على صفحات الجرائد كل صباح ,
ما زالت أخبارهم تهب في وجهي كل صباح لتذكرني بأن الكثير الكثير ينتظرنا لنحقق الكرامة هنا على هذه الأرض ,,كرامة شباب يريد عملا وما عاد مستعدا لدفع حياته ليقول أريد عملا
فمن يسمع ؟؟
من يسمع آهات المحترق قبل أن يحترق وآهات الحارق قبل أن يغرق ؟؟؟

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to الحارق والمحروق

  1. mrjlhf - Mohamed ragheb كتب:

    حارقون تركوا محروقين عليهم هنا
    فى تونس
    فى مصر
    شهداء رحلوا وأحياء لاحقون

  2. بصمتك هنا يا وجـد أثرت في دقات قلبي !!

    ليست في تونس فحسب بل في معظم البلدان العربية …

    نحن في السعودية لدينا نسبة “البطالة” عالية جداً والنسب في ازدياد … ويبقى السؤال، مـــالحـل؟

    شكراً لما وضعتيـه هنـــا 🙂

  3. يعطيك الصحة على هذا النص و على اهتمامك بموضوع الحرقة – هعم الحرقة الحرقة أسبابها ليست البطالة فقط بل و أيضا المجتمع الذي يدفع السباب للفشل ثم يتهمونه بعدم القدرة على النجاح.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s