ثورة صاحب النِعاج

العم صالح راع، النعاج هي كل ثورته. الرجل لم يكن يفهم تعابير وزارة الفلاحة حينما تتحدث في حملاتها التوعوية عن ” الثروة الحيوانية ” الممثلة في الخرفان والأبقار والنعاج وباقي الدواب، لقد كان يقهقه ساخرا كلما سمع تلك الجملة في الراديو ” مراقبة الثروة الحيوانية “، فيهز رأسه يمنة ويسرة، ثم يرفع كأس الشاي الأحمر إلى فمه ويسعل طويلا، قبل أن يرتشف رشفة طويلة ثم يمزمز شفتيه ويتابع ضحكته.
 
العم صالح شيخ مرح يحب خرفانه ونعاجه، ولا ناقة له ولا جمل في الثورة التي كان يكره سماع  اسمها في نشرات الأخبار. ويلتفت إلى زوجته في كل مرة قائلا: “بالله آش شفنا منها ها الثورة ، إنتِ حدي شُفتيش منها حاجة “
وترد عليه زوجته موافقة: ” لا والله ما شُفت منها شي “.
فيرتاح لإجابتها، ويواصل تهكمه على نشرة الأخبار …
   وفي صبيحة 9 أبريل عيد الشهداء، كانت الحركة خفيفة على الطريق، وكانت نعاج العم صالح تشق طريق “بوحجلة” حين فقد سائق شاحنة ثقيلة السيطرة على المقود، فداس القطيع وقتل ثلاثين نعجة مرة واحدة.
هذا الحادث لم يوقع ضحايا بشرية، بل أوقع خسائر فادحة في “الثروة الحيوانية” للعم صالح .. فالرجل جُنّ .. صرخ  ولطم وجهه، ضرب رجليه واستغرق في النواح.
وحوله، توقفت حركة السير على الطريق، وتجمهر الفضوليون، بين من يحمد الله على سلامة السائق ومتحسر على القطيع المنكوب ومتأثر من مشهد النعاج المعجونة على الطريق ..
وقامت الثورة.. لكنها هذه المرة، ثورة العم صالح، هبّ غاضبا يريد قتل السائق، فمنعوه. وقبل وصول الحرس كان قد كدس نعاجه الثلاثين على الطريق مانعا حركة السير ، توقفت السيارات والشاحنات على الطريق بامتداد كيلومترات، ولأن أصحاب السيارات في الخلف لم يروا المشهد الأمامي، تضخمت القصة، وانطلقت الاشاعات مثل: ان الجيش سيطر على مجموعة مسلحة، وآخر يقول: لا لقد أمسكوا شاحنة مدججة بالسلاح، وأضاف ثالث: يريدون تفجير مركز الحرس والجيش تدخل في آخر لحظة، وللرابع قصة أخرى والخامس روى غيرها وهكذا ..
غير أن العم صالح، في هذه الأثناء، كان يفترش الأرض بجوار نعاجه المكومة على الطريق ومستمر بالنحيب الممزوج بكلمات ارتجفت حزنا: ” لن يمروا ” .. ” لن يمروا ” …وحين أتى رجال الحرس ليحملوه بالقوة انتفض رفضا.
كان العنف الثوري قد تمكن من العم صالح ..عنف أججته نعاجه المقتولة غدرا على الطريق: “لن يمروا .. لن يمروا ..” كل ما استطاع ترديده، كلمات تلاشت مع الريح.
وهكذا، لم يمر أحد في ذلك اليوم على الطريق الرابطة بين القيروان وصفاقس، والنعاج المغدورة رُفعت على يد قوات الحرس والجيش، 30 جثة بالتمام والكمال ..
أما العم صالح، فنام ليلته في المستشفى الجهوي بالقيروان، نزل ضيفا على المستشفى لأول مرة منذ أكثر من 60 عاما ليجني في النهاية شيئا من الثورة.
 
 
 
 
 
Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على ثورة صاحب النِعاج

  1. حسام علي كتب:

    أين أنتِ سيدة التعليقات الجميلة؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s