رسائل

عدت الى رسائلك , كانت صدفة غريبة  قادتني إليها, ذلك النوع من الصدف الذي يأتي كنتيجة منطقية ومتوقعة لأرضية مهيئة لخلق الصدف ,,وكما يقول البرت غريغوري إلتقاء الصدفة بعقل متنبه جاهز .
و عقلي كان منتبها جدا يومها في حالة استنفار قصوى , استنفار يأتي ليحارب النسيان بالتذكر ,عن غير قصد يتم ذلك

كله يأتي صدفة

..كنت قد قررت أن أنظف صندوق بريدي الالكتروني لكثرة الرسائل فيه ,رسائل أهملت الكثير منها ولم أفتحها .أمر بها كل يوم أرى أسماء باعثيها ولا أفتحها , مثلما يلتقي أحدنا معارف له في الشارع ويدعي أنه لم يرهم , وأعتقد أن  النظارات السوداء  الكبيرة صنعت لذلك السبب أكثر من كونها صنعت لتقي أعيننا من أشعة الشمس
في ذلك الصباح وجدت رسائلك أمامي هبت فجأة في وجهي وأمامها اسمك ,,مررت بها بنقرة على الكيبورد لكني لم أفتحها كانت فكرة فتحها مفزعة بالفعل بالنسبة لي كأني سأنقر عليها فتظهر أنت أمامي ,,ماذا عساني أفعل في تلك اللحظة
تركت كل شيئ أغلقت اللاب توب وكأني أغلق بابا خلفي وأتركك في الغرفة ورائي لأني لا استطيع التحدث اليك ولا مواجهتك ولا حتى النظر في وجههك

الصدفة أوقعتني على رسائلك فأهملت الصدفة,,لكن التخطيط قادني الى فتحها لاحقا وربما ذلك هو القدر
القدر كان ينتظرني في غرفة أخرى يومها ,,حملت نفسي إلى غرفة أمي ,,تماسكت قليلا وفتحت الباب كنت فقط أريد أن أرتمي في حضنها وأن أبكي طويلا على كتفها ,وهو أمرلم أفعله منذ زمن طويل ,,البكاء بالنسبة لي مثل الصلاة يحتاج الى خشوع وخلوة ,,أمر بينك وبين الله لا يصلح أن تشارك فيه أحدا ولو كان أمك ..
قلت لا بأس أن تعرف أمي أني ضعيفة ,وهي التي لم تتعود على ذلك ..فتحت الباب وجالت نظراتي في الغرفة الواسعة تبحث عنها ,,وجدتها تضع نظاراتها الخاصة بالقراءة  محاطة بملفات وكتب وصناديق أرشيف كثيرة  وأوراق مبعثرة على سريرها, بجانبها ألبومات صور قديمة ,تعرفت على بعضها وهي لجدي


رفعت عينيها من تحت النظارات كأنها تسألني لماذا أقطع عليها خلوتها  كأني قاطعتها وهي تصلي ,,كانت لحظة خشوع أفسدتها أنا بدخولي على ما يبدو ,,شعرت أنها مترددة تود أن تتحدث لكنها تنتظر سؤالي أَوَلا لتجيب ..
أمي لا تحب الثرثرة ,سيدة قليلة الكلام ,لكنها كثيرة الفعل ,تركيبة غربية نوعا ما تبدو باردة أحيانا على عكسي ,,أنا كتلة من النيران

ماما ماذا تفعلين ؟ سألتها بكل سذاجة مثل تلك الأسئلة الحمقاء التي نسألها لشخص أمامنا بلحمه ودمه ” أنت هنا ” كأنه ليس هنا ولكن هناك وعادة لا يجيبنا ذلك الشخص الذي هنا نعم انا هنا والله مثلما ترى أمامك
كان واضحا أنها تمارس هوايتها المفضلة التي تتعاطاها كلما اخذها الشوق الى ابي ,كلما هزها الحنين تعللت بترتيب غرفتها ومكتبة أبي ومكتبه وأرشيفه الضخم ,كانت تتعلل بذلك اكثر من مرة في الشهر, تقول انها ستتخلص من بعض الوثائق والورق الذي ما عاد يلزمها لكنها في النهاية لا تحذف شيئا تعيد ترتيب كل شيئ في مكانه

الصور الكبيرة تلك التي لا تسعها الألبومات تعود الى علب الأرشيف والتسجيلات الصوتية تصفف بشكل دقيق في علب خاصة غير قابلة للكسر ,وقصاصات المقالات التي كتبها أبي تَفردها بكف يدها كأنها تداعب خد طفل , قبل ان تضعها في ملفات خاصة بها وعليها تواريخ نشرها..أما الأوراق الرقيقة التي خط فيها ملاحظاته أو خطاباته لها فتعود لتنام في سكينة في صندوق ثمين مكانه غرفة نومها لا مكتبة ابي

لحظات عشق طويلة تمارسها أمي مع أبي الذي رحل قبل 6 سنوات ,,كلما أخذها الحنين اليه ضربت موعدا لها معه من خلال رسائله وكتاباته وأشيائه الورقية ..ها هنا جذاذة من صحيفة بها قصيد للأبنودي عن عمته وهناك ديوان لدرويش في نسخة قديمة ,,وفي الملف الخاص  البني ورق آخر فيه محاولات أبي الشعرية ,,كنت قد اقترحت عليها مرة ان اصورها وانشرها في مدونتي فرمقتني بنظرة حادة ,,فهمت منها اني تجاوزت حدودي , فلم اعد السؤال مرة اخرى

هو الحنين الذي يوقد الذاكرة ويجعلها يقظة على الدوام,,وربما الحنين الذي يصنع الوفاء للأحياء والأموات
أمي وفية لرجل ميت ,ما رأيت وفاء لأمرأة كما رأيته في أمي,,
أنا وفية لرجل غائب ,,وتلك الحقيقة صدمتني
أتقبل الموت أفضل من تقبلي للغياب ,,في الموت على الأقل هناك عزاء وقبر وضريح نبكي فوقه في كل زيارة ,,لكن الغياب يجعل من حياتنا قبرا لنا نحن
كتبت لك ذلك في مكان ما في رسالة لم تصلك لأني لم أبعثها اليك ,,أمضيت ليلة كاملة وانا أكتبها وفي النهاية لم أرسلها ,,صرت أسميها رسالة مِني إليَ

تركت أمي وسط طقوسها الخاشعة في الوفاء للأبي وأنا أعرف أنها لن تُلقِ شيئا من كل ذلك الورق الذي يعم المكان ,,وعدتُ الى حيث تركتك تنام في اللاب توب فتحت رسائلك واحدة واحدة الطويلة منها والقصيرة
اطلعت عليها كأني اكتشفها للمرة الأولى وكأني أتعرف عليك للمرة الاولى ,حين كنت اخجل حتى من نطق اسمك كأنه بوح يسمعه العالم أجمع ,كثيرون كتبوا إلي , لكن لا أعرف لماذا كتاباتك المتعثرة مختلفة عن كل ما كتب الي من قبل

وجوه كثيرة لك اجدها امامي في رسائلك اجد الطفل والرومانسي والمندفع والوقح والرجل الشرقي احيانا والرجل الغربي احيانا اخرى ,أحيانا تكتب الي كأنك أبي تتقمص سلطة الاب في رسالة قصيرة لا تحية فيها لكن به أمرا مثل افعلي كذا ,ارسلي الى فلان , ستجدينه في الملف الفلاني حتى ابي لم يكتب لي بهذه الطريقة الآمرة من قبل
فتحت رسالة لك فيها ,جملة واحدة ” يا ترى ما هي الحسنة التي فعلتها في هذه الدنيا ليرسلك الله لي. أنت أثمن ما أملك ,,أحبك ”
رسالة اخرى كتبت في الرابعة صباحا وفيها ” الطقس هنا بارد جدا ,انها تمطر الان واعرف كم تحبين المطر , أردت أن أمشي معك الان ولا نعود الا حين تشرق الشمس ,,الاصدقاء في الخارج يحتفلون لم أرد الخروج معهم , لأني مشتاق , لا أريدهم أن يروا ذلك , سيسخرون مني ..نامي بخير يا طفلتي “

وتلك الرسالة التي تلمح فيها الى عملي الصحفي  ” بحسب رويترز وفرانس براس ونقلا عن الناطق الرسمي باسم الخارجية ومصادر متطابقة,,أحبك ”
واما هذه التي افتحها ,,كم كنت وقحا فيها اكاد اجزم بانك كتبتها وانت سكران لا استطيع نقلها ,,يحمر وجهي وانا اقرأك
لكني ابتسم حين اصل الى جملتك  ” اعتذر انا وقح لكني مشتاق متى اراك ”
فتحت كل الرسائل واحدة واحدة ,أمضيت يومي في غرفتي وانا افعل ,,كنت ابحث عن آثار أناملك في كل رسالة ,عن عطرك, ولكونها رسائل الكترونية تعذر علي تتبع أصابعك فوقها ,,توقفت عند اخطائك الاملائية واللغة التي تعجن بمفردات غربية وسط النص ,وكأنك درست العربية في هونغ كونغ ,توقفت عندها وابتسمت

تحولت من الايميل الى هاتفي الجوال ,,التهمت رسائلك الاس ام اس التي لا ازال احتفظ بها  ” انا بالشغل وافكر بك ,,صباح الخير ” ,,”عودي فورا الى البيت حظر التجوال يبدأ بعد ساعة ,بحق السماء ماذا تفعلين في الخارج الان , سمعت عن اطلاق الرصاص هناك, ارجعي هذا أمر ”
” اشتريت لك عطرا , هو معي الان افتح القنينة فقط لأشم رائحتك ,,يومك جميل ”
” هل انت غاضبة مني , لم تجيبي على رسالتي الاخيرة , لا تغضبي رجاء , لا اتحمل غضبك ,احبك”
وهذه التي أرسلتها لي وانا في طريقي الى درس  السالسا ” لا تنسي درس السالسا ,,1 2 3 1 2 3 ‘
………
كنت أمارس تمريني اليومي في النسيان ووجدت نفسي وسط تلك الرسائل التي فتحتها يومها تفاصيل صغيرة ,,روائح عطر وأزرار قمصان وآثار قبلات وأياد مرتعشة وهذيان ,,حنان وغضب, لقاء وفراق , دعوات على العشاء ودعوات للانفصال ,,لحظات شجاعة ولحظات جبن كلها مدونة في الرسائل

بركان من التذكر وسط النسيان ,حِمم من التفاصيل تنفجر مرة واحدة

قصتنا كلها مكتوبة في تلك الرسائل ,,رسائل طويلة وقصيرة, رسائل من 140 حرفا, ورسائل اس ام اس
مثلما قصة أمي وابي مكتوبة في آلاف الاوارق وألبومات الصور والتسجيلات الصوتية والفيديوهات
أذهلني التذكر واذهلني التوثيق للتذكر ,بالاحتفاظ قصدا مع سبق الاصرار بكل تلك التفاصيل التي تصنع قصة , مثل احتفاظ أمي بأول رسالة من أبي وحتى آخر كلمة كتبها لها على جذاذة صغيرة وهو مريض ولا تزال تحمل آثار بقعة فنجان ,,وعليها ” شكرا على القهوة “

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

6 ردود على رسائل

  1. lebanonews كتب:

    ومن قال ان الرسائل هي التي تعلق بنا او الكلمات او الذكريات أقرأ كتاباتك وجد فأشعر كم كنا ولا زلنا نحن من نعلق في علب الرسائل في الكلمات في النصوص الصغيرة في رسم ابتسامة او وردة كم نحن من حبر وعطر رغم انها شاشة صغيرة !

    • wajd كتب:

      استاذ داوود, الحياة فعلا هي ما نتذكره لا ما نعيشه ,كثيرة الأشياء التي نعيشها لكنها لا تعلق بنا ,فقط تمر مرور الكرام وننساها ,,في الكتابة ايضا نحن نمارس طقسنا في التذكر , نقتنص اللحظة ونمسك بها ونوثقها فلا تموت ابدا ,,ولهذا يبقى عطرنا وتبقى ابتساماتنا على الورق ,,مثل تبقى الجراح ايضا

  2. chaperon rouge كتب:

    رائعة………………….

  3. abss كتب:

    أذهلني التذكر واذهلني التوثيق للتذكر ,بالاحتفاظ قصدا مع سبق الاصرار بكل تلك التفاصيل التي تصنع قصة

  4. وجد …
    قدرتك على السرد مع الاحتفاظ بالتفاصيل ونسج المشاعر مع الحركة السردية مدهش حقاً , يقيناً وراءه نفس ممتلئة بالفن وروح مشبعة بالحب .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s