كلنا غزة

كلنا غزة
لكل من يقول كلنا غزة , أسأله بالله ان كان مستعدا للموت في هذه الأثناء, ان كان بصدد دفن ابنه او زوجته او شقيقه
ان كان يسمع صفارات الانذار , ان كان يرى دخانا أسود في السماء , ان كان يسمع بكاء الاطفال رعبا , ان كان يشعر بالارض تهتز تحت قدميه كلما تجدد القصف ؟
قطعا لا , لسنا كلنا غزة , تلك العبارة المتناهية في النفاق والسطحية , تعودنا عليها دون استحياء مثلما تعودنا ان نتفرج على غزة المحاصرة وفلسطين المغتصبة ونصنع منهما أخبارا رائعة وتحقيقات مهنية واحيانا غير مهنية البتة , لكنها تحقيقات تباع بشكل جيد وهذا المهم
الدم والبندقية وصواريخ غراد
الدم متوفر بسخاء في غزة والبندقية موجودة في كل أنحاء فلسطين وان علاها الغبار , والصواريخ روسية الصنع تصل لأول مرة الى تل أبيب وان لم تصب أحدا
أشلاء جثث فلسطينية تلمع منذ ايام مثل الشهب في ليلنا حالك السواد
نصورها بدقة وننسخها بتفان ونرفعها في مسيرات ” مساندة لصمود الشعب العنيد ” في الشواع العربية يوم الجمعة والغربية باقي أيام الاسبوع ونحن نلف الكوفية الفلسطينية حول رقابنا لنمنح أنفسنا شعورا ولو كاذبا بالصمود والكفاح

انه الاغتراب في الأمسيات العربية , تحضر فيها غزة مثل مدار ضخم لتحرك السواكن فينا
نحن اللقطاء , المنسيون , المهزومون على بكرة أبينا , الشرفاء والوضيعون , الشريفات والمومسات , تجار الخبز والسلاح والمخدرات وبائعو الحلوى على قارعة الطريق, تجار السوق السوداء المنتعشة على الحدود في هذا الربيع العربي , كتاب البلاطات الملكية والأميرية والقصور الجمهورية وكتاب المنافي والسجون , المرتزقة من كل شيء والمتسولون لكل شيئ , شعراء النصر والخسارة , شعراء اللذة والحب والوعود الكاذبة ,
محللو الخطط الدفاعية الاستراتيجية على القنوات الخليجية المترزقة من حروب الخليج الاولى والثانية والثالثة والتي ستعقبها , ممثلو الدرجة الاولى والاخيرة وما بينهما , الثوار حقا والثوار بالصدفة وبالبترودولار
سجناء الحق العام والسجناء السياسيون , المعذبون في الزنزانات والمعذبون خارجها , العاطلون عن العمل والعاطلون عن الامل , المحبون للحياة والشاتمون لها , المحبون والكارهون لكل شيء
صحفيو القنوات العربية الثرية وصحفيو الصحف المفلسة المقفلة لأجل غير معروف
المقامرون والقوادون , المترنحون حبا والمترنحون سكرا وانكسارا على قارعة الطريق
كفار ومؤمنون
نحن العرب المصنفون في آخر تصنيفات ما يسمى بالربيع العربي كفارا ومؤمنين والبين بين نعيش حالة اغتراب لا تنته في اوطاننا التي لم تحسن احتضاننا. آوينا منذ فطمونا الى حضن الجدة الحنون ‘ فلسطين ‘ تلك التي لا تسألنا ” ابن من أنت ”
يا للمفارقة تحولت فلسطين المحتلة الى وطن لكل المغضوب عليهم في الاوطان المحررة من الاستعمار الواقعة تحت استعمار آخر اسمه ” الاغتراب ”
ننقسم في كل شيء ونتوحد على ذلك الصدر الذي اسمه فلسطين ,
نعم نحن من نحتاج الى فلسطين وليست هي من يحتاجنا
لقد تعودت ان تحيا بدوننا رغم لؤمنا وجحودنا وجبننا
نحن ابناء لأولاد عاقين لفلسطين , والعاق ينجب عاقا بالضرورة ,لكنها مثل اي جدة حنون سريعة الغفران , كثيرة العطاء لا تنتقم ابدا , نحن المنبوذون في اوطاننا , المطعونون فوق تراب اوطاننا ” المحررة ” نعم نتسول حب فلسطين المحتلة , ذلك الوطن المغتصب يصبح الرقعة التي تسعنا كلنا وان اختلفت حساباتنا
من يحتاج فلسطين لكسب الانتخابات ونيل رضا الشارع ومن يحتاج فلسطين لنيل لقب ” ناشط ” ومن يحتاج فلسطين ليكتب معلقته الاولى والاخيرة ومن يحتاج فلسطين لينقل الخبر مجردا من كل عاطفة او مشحونا بكل العاطفة
ومن يحتاج فلسطين فقط لرغبته في تسلق الحلم وامتحان الذات
نحن العرب ندور في الزمن الفلسطيني رغم أنفنا لأننا بلا هداية لأننا بلا انتصارات
في دول ما يسمى بالربيع العربي , قوائم الانكسارات اكثر من ان تحصى , ربيع لم يأت لنا بالثمار التي كنا زرعناها , فعدنا مشردين مرة آخرى داخل اوطاننا ثم خارجها
تخلينا عن أحلامنا الوطنية ولم نتخلى عن راية فلسطين , من اليمين الى اليسار بقيت الراية الفلسطينية هي الامر الوحيد الذي نجتمع عليه رغم حساباتنا المختلفة ورغم درجات حبنا المتفاوتة , واحيانا نتنازع عن ذلك الحب الذي اسمه فلسطين كما يتنازع اكثر من محب على حبيبة واحدة
وذلك قدرنا ايضا
بالامس في وطني تونس خرجت المعارضة في مسيرة مساندة لغزة شعارها ” تجريم التطبيع ” واليوم خرج مساندو الحكومة في مسيرة مماثلة دون ان تطالب بتجريم التطبيع , يا للسخرية
قطعا احباء فلسطين لا يلتقون , لكن الراية الفلسطينية ترفرف في كل العواصم لتدلنا الى الطريق بعد ان تهنا كثيرا وانهزمنا كثيرا
عادت المقاومة لتقنع من جديد وكل الفضل يعود الى غزة , تلك السجن الكبيرة تعطينا مرة اخرى درسا في الحرية لنا نحن ابناء الاوطان المحررة
وحده سلاح المقاومة يعرف طريقه الى الحرية
كنت احتاج الى امل اكبر لاتحدث عن الملحمة في غزة لكني وانا اخط هذه الاسطر في عمق الصحراء بعيدة كثيرا عن أرض غزة ولا اعرف كيف يعيش أهلها تحت القصف دون ان يركضوا الى الملاجئ لأن الملاجئ غير موجودة أصلا في غزة
ملحمة الموت في غزة ملحمة عظيمة , الموت هناك ضرورة لا صدفة  انه صراع مع  العدو من اجل البقاء
ونحن العرب اقصد من لنا اوطان نقول عنها محررة لا نصارع غير انفسنا ولا نعادي غير أنفسنا ولا نعرف الموت الا كمدا
بنادقنا موجهة للصدر العربي وترساناتنا في حالة استنفار منذ الاستقلال للدلالة فقط على أننا دول مستقلة

نحن العرب لدينا عطب في الحب والكره , لم نحسن حتى كره العدو الاسرائيلي لنحاربه فصنعنا اعداء من انفسنا وحاربناها ولا زلنا نفعل
قطعا لسنا كلنا غزة
بنادقنا ترقد هنا وليست موجهة الى صدر صهيوني , صواريخنا , لا صواريخ لدينا تصل للعدو
قطعا لسنا كلنا غزة
ولأننا لسنا كلنا غزة تأخر الاجتماع ” الطارئ ” للجامعة العربية اربعة ايام وهو المدعو للانعقاد ” بشكل طارئ نصرة لغزة ” , الطارئ في عرف الجامعة هو ما ينظر فيه بعد أربعة ايام .لطالما كان العرب يعرفون ان غزة لا تنتظرهم وفلسطين توقفت عن انتظارهم منذ زمن
قطعا لسنا كلنا غزة

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

4 ردود على كلنا غزة

  1. ياسين كتب:

    كلنا غزة… نقولها لننعش روح التعاطف و الإنتماء. و لكنكي كمواطنة تونسية ماذا يمكن أن تفعلي؟ و لكن لو كانت حاكمة تونس ماذا كنت ستفعلي؟

  2. moroccanwoman كتب:

    مقالك اتى على الجرح ، رائع ، رائع ! تحية لك من مغربية حرة.

  3. خلدون كتب:

    رائع …مشكورة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s