شعب سليانة وحكومة الرَش

احمدوا ربي أنه رش وليس رصاص حيّ!
بهذه العبارة رد نائب من حركة النهضة الاسلامية ( الحزب الحاكم في تونس ) على من ندد باستعمال قوات الأمن التونسية لرصاص الرش المحظور دوليا في قمع الاحتجاجات الشعبية في ولاية سليانة
ونحن شعب فينا من يخاف الله فيحمده على نعمه الكثيرة التي أنعمها علينا لكن فينا أيضا من يكفر بنعمة ربه ولا يحمدها
كيف لم نر أن الله قد أنعم علينا بحكومة راجحة العقل رؤوفة بالمواطن حكومة أتت من رحم الثورة تؤمن بأنها شرعية لأن صندوق الاقتراع أتى بها وهذا تفويض كامل يخول لها أن تفعل بنا ما تريد ومع ذلك لم تنتزع منا حق الحياة في سليانة بل صوبت فقط بنادق الصيد باتجاه عيون الشباب ورؤوسهم وظهورهم وسيقان بعض الصحافيين هناك
الرصاص المستعمل في سليانة من قبل البوليس لم يكن رصاصا حيا يا للنعيم بل رصاص الرش وهو رصاص لصيد الدواب واستعمل سجل عندكمن فضلك في الدفاع عن النفس , هكذا يقول الناطق باسم الداخلية
ايه نعم رجال الأمن أمام المقر العظيم لولاية سليانة كانوا يحمون ” مقر السيادة ” وهيبة الدولة وهم في وضع دفاع عن النفس , يدافعون عن والٍ من الحزب الحاكم ” الشرعي ” ..نحن ندور في فلك الشرعية يا اخواني ..يا لكم من جاحدين ناكري الجميل

كيف يجرؤ المواطن في سليانة على رفض وال عينته حكومة ” حاصلة على الاغلبية في الانتخابات ” , كيف يجرؤ على التظاهر ضد الفقر والبطالة وغياب التنمية في تلك الربوع وقد تعود على الفقر والبطالة وغياب التنمية منذ ستة عقود ؟
المفروض أن يكون المواطن في سليانة قد تعود على الحرمان وألا يطالب النهضة بتغيير هذا الواقع , القناعة كنز لا يفنى يا اخواني
لكننا شعب لئيم
منَ الله علينا بحكومة تخاف الله وتطبق شرع الله بعد عقود من الكفر ونحن لا نحمده على هذه النعمة العظيمة
حكومة ورثت – وفعل ورث من الأفعال المحببة لدى قادة الترويكا الحاكمة دون استثناء – عن نظام المخلوع بن علي ” ترِكة ” – وتركة ايضا مفردة رشيقة يحبها الرئيس المزروقي كثيرا وأستعيرها منه هنا تيمنا بفكره المستنير – تركة ثقيلة, بطالة وديون
” شعب سليانة ” وهذه عبارة قالها رئيس الحكومة المؤقتة قدس الله سره وابتسامته الصادقة العريضة ( لأن في تونس شعبان واحد وطني والآخر يتبع سليانة ) مُغرر به على يد ” قوى يسارية ” , وربما غاب عن رئيس الحكومة المبتسم أن أهالي سليانة لم يتم شراؤهم بأكباش العيد فكيف يُغرر بهم بعشرين دينارا ( وفي رواية
آخرى 70 دينارا )
هل يعقل ان يكون اهالي سليانة قد ندموا على نظافة اياديهم من تلقي الرشاوي التي عرضت عليهم ابان انتخابات سنة 2011 – حين عرضت عليهم جهات معروفة التصويت لحزب انت تعرفه يا الجبالي مقابل خروف – فأرادوا تدارك ذلك بقبول 70 دينارا مقابل التظاهر ضد الوالي وفقدان نعمة البصر بعدها بعد اصابتهم برصاص الرش في أعينهم ؟؟؟

أنت تعرف يا رئيس الحكومة ونحن تعودنا ألا نعرف الا ما علمتنا
نحن شعب لئيم وجاحد فينا من يُشترى في كل الولايات ومستعد لفقدان نعمة البصر ب70 دينار ,,
بخس ثمن التونسي اذن

سليانة التي تعد اكثر من 6 آلاف عاطل عن العمل – مسجلين – 4 آلاف منهم يحملون شهادات جامعية ولاية مغرر بها , ” ديغاج ” التي رفعها اهالي تلك الربوع – وديغاج تعني ارحل وهي لفظة استعملت في المظاهرات في تونس في اواخر سنة 2010 وكان سقوط بن علي بعدها – يقول رئيس الحكومة انها انتهت .. لا ديغاج بعض اليوم
الديغاج التي أتت بالجبالي رئيسا للحكومة و أخرجته من الظلمة الى النور بعد أن كان حتى بعد اطلاق سراحه في عهد المخلوع مجبرا على الذهاب بين الآونة والاخرى الى قسم  الشرطة للتوقيع على تعهد , الديغاج التي أتت برفاقه من المنافى الوثيرة وأخرجت آخرين من السجون , ما عاد معترفا بها ..
الديغاج لكونها أوصلت النهضة الى الحكم , انتهت صلوحيتها الآن ..أفلا تفقهون يا شعب سليانة ؟
لكن سليانة التي هُزم فيها القائد القرطاجي حنبعل في سنة 200 قبل الميلاد في معركة زاما, أرض وعرة لممارسة السياسة , هكذا يقول التاريخ
سليانة التي زرتها قبل سنوات لأكتب عن الاستثمار المتعثر فيها ,ستكون محرقة للسياسيين ان لم يحسنوا التصرف
الحكومة الحالية مثل حكومات بن علي المتعاقبة تتشابه كثيرا في تعاطيها مع مشاكل التنمية , الدولة لا تريد الاستثمار في المناطق الداخلية بل تفضل الاستثمار في الشريط الساحلي لأن البنى التحتية متوفرة فيه ( الطرقات السريعة الموانئ والمطارات ) الدولة التي تتهم العاطلين عن العمل بالتكاسل هي اكبر مثال على الكسل والتواكل
دولة لا تريد المغامرة ولا تحب ان تنفق ولا تستطيع ان تستثمر ولا حتى أن تجلب المستثمر بتوفير بنى تحتية على الاقل
دولة تعول على القطاع الخاص , والقطاع الخاص غير مستعد للمغامرة سابقا فكيف يغامر الآن ؟
حين زرت سليانة قبل سنوات قال لي بعض شبابها ( وكانوا للتذكير معارضين في العهد السابق غير خائفين من سلطة بن علي رغم الجبن السائد حينها  وربما الحرمان يعلم الشجاعة ) ان الاستثمار الوحيد الذي قدمته لنا الدولة هو الحانة الكائنة في الشارع الرئيسي , وهو استثمار ناجح فعلا
لا أنسى أحد الشبان وجملته ” نحن جيل يُحسن السُكر حتى ينسى همه وفقره ”
في سليانة لا توجد أماكن للترفيه ,,وهذا ليس بسبب الطابع الجدي ” لشعب سليانة ” بل لأن لا أحد فكر في انشاء مكان للترفيه او الاستثمار فيه , لقد ترك شعب سليانة لمصيره يواجهه وحده , وكأن البؤس قدرهم الوحيد
” شعب سليانة ” أفقر ولاية في الجمهورية يا سادتي كان الأولى باهتمامات حكومة أتت من رحم الثورة لأنه نعم ” شعب ” عاني الحرمان لستة عقود , فهل  يصبح التعود على الحرمان هو كل قدره  ؟
هل كتب عليه ان يُحرم من التنمية الى يوم الدين أن يتحمل الفقر الى ما لا نهاية ويتحمل فوق ذلك وال إستهزأ بمطالبهم  وتطاول عليهم نعم تطاول لأن الوالي موظف في الدولة وليس الرب الأعلى الذي قُدر لهم أن يركعوا أمامه ؟
الحرمان ليس قدرا ولا الفقر قدر من لم يشمله التوزيع العادل للثروات
ومن يأتي على أنقاض الديكتاتورية ليؤسس ديكتاتورية أخرى ولو كانت باسم الدين لن يكون له مكان لا في سليانة ولا في غيرها
سليانة أرض وعرة لممارسة السياسة وأرض وعرة لمن يأخذ سكانها بالقوة وربما تكون مقبرته
فهل تتعظون ؟

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s