كل سنة وأنت بخير

وتكتشف صدفة انك ما زلت تحيا , لكنك لن تبشر أحدا بفرح كاذب ووعد زائف .تخط عبارات مبهمة على بطاقات المعايدة في آخر السنة , جمل تتشابه من بطاقة الى أخرى، يتغير فيها ضمير المخاطب فحسب, أنتَ أو أنتِ أو أنتما , ذلك الانصهار الذي يربكك ويذكرك بعقدتك , سنة أخرى تمضي وأنت وحيد , ما عدت تنتظر أحدا

انت ” دقة قديمة ” قالتها لك وهي تقهقه, لم يكن ذمّا، بل ربما اطراء وهي على حق , وتأكيدا لكونك دقة قديمة وأنتيكا ما زلت ترسل المعايدات على بطاقات بريدية تشتريها من نفس الكشك جوار الكنيسة  وتعد طوابع البريد لتتأكد من أنها تكفي وتمضي بكيسك الشفاف تحت المطر.
انك نسخة عن نفسك , تقفز الجملة في رأسك خلال كتابتك لها  , تلك الطاولة التي جمعتكما قبل سنوات عشر  لا تزال مكانها  لم يتغير شيء عدى “الخربشات” التي ملأت سطحها بتلاصق الخطوط البراقة والباهتة  وتشابك الألوان. أي عبقرية تمكنت من صاحب المقهى المقابل للكنيسة ودفعته لعدم تغيير الطاولات ولا حتى إزالة معالمهاّ
سمحت لنفسك بأن تسأله , أنت المحترف الوفي الذي عرفك طالبا ثم موظفا ثم عاطلا عن العمل , ما زالت تبهرك تلك النقوش ,جمل الحب تعانق العبارات الثورية والألفاظ البذيئة والحماس الكروي  وأسماء النوادي الرياضية والأحزاب السياسية ..أسماء الحبيبات وأرقام الهواتف وسبحان الله والله اكبر وبسم الله, نقوش لأعلام وطنية وأزهار وفراشات وسيارات وأعضاء تناسلية , كلها متراصة , كما لو كانت تتآخى فوق تلك الطاولة.
حتى سلفادور دالي ما كان بقادر على توليف رسم يمزج فيه الجنون بالفوضى كتلك الرسوم على طاولات مقهى “الزورق المخمور”.

 تضع كيسك الشفاف على الطاولة لتغوص نظراتك في تلك الرسوم وكأنك تكتشفها للمرة الأولى , حتما هناك عبارة جديدة أو نقش جديد , تمضي ساعات تبحث عنه وأنت ترتشف قهوتك وتقلب هاتفك من حين لآخر , لكنه كالعادة لا يرن.
لديك ما يكفي من الوقت لتكتب التهاني على تلك البطاقات التي حرصت وانت تشتريها على الا تتشابه , ما زلت تحيا نعم , وما زلت حريصا على الانتقاء وعلى الاعتناء , هذه لنسرين وزوجها وهذه إلى أحمد والأغلى لهيفاء , وهذه  ذوقها راق جدا صعب ان تعجبها بطاقاتك، فطمأنت نفسك أنها الأفضل من بين البطاقات المعروضة.
لا زلت تصغي لنفسك , حتما ما زلت تحيا ..
ما دمت جالسا في الركن نفسه في مثل هذه الفترة من السنة لتكتب لهم تهاني آخر العام…
لم يسأل عنك أحد طوال اثني عشر شهرا , لكنك ما زلت تحيا، لذلك لم تتوقف عند ” تلك التفاصيل”..
 حتما كانوا مشغولين , الحياة قاسية ومشاغل الناس كثيرة , لكل غائب عذره , أنت الحاضر الوحيد لتسأل عن الجميع , تبتسم ابتسامة رضا خلال كتابتك لرفيق وهاجر ,هذا عيد زواجهما الأول وهناك أول بطاقة تصل اليهما على عنوانهما الجديد..
على هذه الطاولة أبيات شعر خطها رفيق لهاجر ذات خصومة قبل أعوام  , تبعد كوم البطاقات لتبحث عنها , كان  مخمورا يومها , بكى أمامك وهو يلعنها ثم حفر ذلك البيت واقسم أنه دفنها للأبد..
ها هو أمامك , بهت الخط قليلا لكن الكتابة لا تزال واضحة:
 ناولتني الحياة ُ كأساً دِهاقاً
بالأماني، فما تناولْتُ كأسِي
وسقتْني من التعاسَة أكواباً
تجرعْتُها، فيأشدّ تُعْسي

يقاطع النادل شرودك بصوته العالي ” يا خويا ما أوسع بالك ما زلت تكتب في الكوارت ؟ تي ابعث ايميل وفك عليك ”
لن يفهم مصطفى النادل ابدا ما تعنيه كتابتك على ظهر البطاقات البريدية في  ديسمبر , لماذا تكلف نفسك عناء شراء البطاقات والطوابع البريدية وتخصيص ساعات للكتابة عوضا عن إرسال بطاقات الكترونية جاهزة بالإميل ؟
لمستك الخاصة ؟ من يا ترى سيهتم بها  ؟ برائحة تبغك على البطاقات وخطك الأنيق وفصاحتك؟
يَنْقَضِي العَيْشُ بَيْنَ شَوْقٍ وَيَأْسِ …تخطها بيد مرتعشة اليها، لكنك لا تعرف ان كانت ستصلها  , هل ما زالت تقطن في نفس العنوان ؟ ام هاجرت ؟ لقاؤكما الاخير كان صدفة امام المسرح البلدي , شكرا لتلك المظاهرة التي جمعتكما بعد سنوات , قبلتك على وجنتك مبتسمة , هذا أنت ؟ ,..نعم هذا أنا الجملة الوحيدة التي نطقتها في حضورها ..
كيف استطاعت ان تربكك الى حد افقدك صوتك , كوفيتك الفلسطينية حول رقبتها , حطت نظراتك طويلا عليها وانتبهت هي الى ذلك احتضنت ذراعك وقالت يومها ” كوفيتك لا تفارقني في المظاهرات”  تبا لها كيف تحولت علامة حبك الى مجرد شعار سياسي تحملها هي من مظاهرة الى أخرى

وكيف باتت تحتضنك كصديق لا كحبيب , كم جارحة تلك الألفة حين يتحول الحب الى مجرد صداقة
تركتها تغيب وسط تلك الحشود , وتسللت خارج المظاهرة يتيما , ما عادت القضية تهمك
ماذا عساك تكتب لها على ظهر هذه البطاقة ؟
يَنْقَضِي العَيْشُ بَيْنَ شَوْقٍ وَيَأْسِ
كل سنة وأنت بخير
Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

12 ردا على كل سنة وأنت بخير

  1. alaanoureldin كتب:

    دائما احساسك يغوص الى الاعماق يستخرج منها لآلئ و درر. شكرا لك

  2. Ahmed Rock II كتب:

    يَنْقَضِي العَيْشُ بَيْنَ شَوْقٍ وَيَأْسِ
    كلمات بسيطة دخلتني في مود حلو جدا ..
    تحيه نقيه من اراضي إسكندرية

  3. كل سنة وانت بخير .. كل سنة وقلمك أخضر

  4. Rawya Kershah كتب:

    كل سنة وانت طيبة ايتها الفراشة التونسية

  5. waleed huseen كتب:

    كما جمعت طاوله صديقك كل تلك الاشياء الصغيره تملا مساحه العمر كله احداث وذكريات سعيده وغير ذلك
    ولو اسعفتنا الذاكره فلملمت لنا ما اندسر في اعماقها من امال خابت واحلاما انقلبت كوابيس واماني وادت وجروح طابت واخري تقيحت وخليط
    من لحظات السعاده والفرح والالم والضعف والقوه والنصر والهزيمه كانت كلماتك حجرا حرك ذواكر ركدت شكرا لك

  6. abss كتب:

    بكل الحسد الذي في قلوب كل المحبين……………كل سنة وأنت بخير

  7. باسم كتب:

    ولأنّ اليسار كاليسار:
    موضع القلب الكبير
    واليد اليسرى الضعيفة
    معقل الهزّات ،،والضغط السريع المضطرب
    كان دوما ،،أجمل الوجهات للعمر السريع المقتضب
    منذ من ماتوا على حدود الأربعين” تشي ، لوممبا ، كابتان سنكارا”
    كذا الحياة كرفّة العينين إن رأتا شرارة
    وكانفلات نحامة ورديّة بين القصب
    **
    ولأن “شكري” كان يؤمن باحتلال رغيفه سعة المجرّة
    صار شكري ،،ذلك النّوري ، مسفوك الضياء على شوارع حبّه
    وصار شكري برزخا في لبّ زهرة
    *
    ولأنّ اليسار ، لا ثور له
    ولأنّ اليسار كلّ ثورة له
    تموت الثلوج على الرّمل
    وتوقَد نار “الخليفة” من ريشة النورس المرسَلة
    ويصبح صمت البحار رهيبا ،،إذا اقتربت ضجّة الموت
    لا صوت له
    …..
    “شكري” هو الآن يَحي بموته ،،مثل غزال طريد على العشب:
    “مازلتُ حيّا ،،، فلا تقتلوا فيّ طفلا بريء النّضال
    ولا تشعلوا ضوء هذا الشتاء على مجلس الدفن،،
    بل وزّعوه بعدل على الخارجين عن الموت..
    أرشقوا تينة قرب بيتي،،، وفرّقوا بالعنف كل مظاهرة للزّهور
    على جثتي ،،
    أطعموا الغائبين ،،وقولوا لمن حضروا ليس عندي لمن حضروا غير
    دربي
    أنا كلّ هذا الشّتاء الغزير ،،فلا تطلقوا الشمس ،، لم ينتهي الزخّ
    مازلتُ أمطر ،،،لم ينتهي الأمر ،،،فالغيم أسود، وهذا الربيع النهائيّ
    لم يبلغ الحُلم بعد،،وتلك الصّوامع لم تفهم الله بعد
    فلا تعلنوا عن قدوم المسيح،،،ولا تمسحوا ثوب شيخ الخريف
    ولا تؤمنوا بالحياة التي تلبس الجبّة البالية
    ولا بالصّليب الذي سوف يحرس حقل الذرى
    فالسماء لها صورة في الغدير الفقير
    و تلك الصّلاة لها وجهة في التّراب”
    *
    *
    ولأن اليَسَار ،، كعود الثّقاب
    يشعل شمعا لكي ينطفئ/
    كان هذا القليل من الوقت ،،أينعَ ما في الفصول
    وأروعَ ما في الضّباب
    فلا تكتموا حبّ هذا الذي يحرس اللقمة الزاحفة
    والأنا العاصفة
    ولا تبعدوا فكركم، عن فائض الوقت والموت
    والقيمة النّازفة
    كلّ هذا الجنون بأرض الغرابين،،من أجل أن نعرف
    تقنية الدفن ،،،والقافية؟؟
    كلّ هذا الخراب ،، لنعرف مَن نحت الصخر ،،في الدمعة الغافية؟؟
    فلتنم ، موصدا بالحياة ،،
    موقدا بالعيون التي شيّعت موكب السّاقية…
    عادل بلغيث، الجزائر 07 فيفري

  8. وليد كتب:

    يا ذات الوجد،
    أطيب التحية. آنست كلماتك هذا الغريب في البلاد البعيدة. وربما تعلم ذات الوجد أنه في تلك البلاد، الجو دوما بارد، والعابرون لا يعبؤون بتحايا الصباح، وفروق التوقيت تذكر بقول أمي أن “وليد يسافر ويًُوْغِل في السفر.”
    ومن ثم، فلك على كلماتك الدافئة الشكر والمودة …

  9. تنبيه: كل سنة وأنت بخير | مجلة المرأة العربية

  10. حسام شعبان كتب:

    جميلة انت سيدتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s