القطار الأخير

القتلة خارج َعربة القطار، يحتسون البيرة، قتلة آخرون يتحلقون حول مائدة عليها أرز ولحم، البنادق متكئة على الحائط، رايات بيضاء وسوداء تزين الحيطان المثقوبة. مر القطار في صمتٍ، لا صفارات تعلن مروره، لا محطات توقف على الطريق، لم يروا السكة الحديدية لم يسمعوا أزيز العجلات. الهواءُ منعشٌ. داخل العربة، رائحة المسك تعم المكان مختلطة برائحة أخرى لبسكويت خرج للتو من الفرن.
شاهدوا حقولا خضراء، بساط ممتد إلى ما لا نهاية، راقبوا السماءَ، لم تمطر ولا برميل، لكنهم بقوا متيقظين، الحاج عمر لم يغمض له جفن بقيت عيناه معلقة بالسماء يراقبها.
الجميع وقوفٌ داخل العربة، لا توجد كراسي، كرسي وحيد أمامهم عليه لافتة حديدية نقش عليها “هذا المقعد مخصص لجرحى الحرب”، لم يجرؤ أحدٌ على الجلوس ولا حتى عمار الخباز الكسيح قالوا له إجلس فرفض قال لهم “لستُ جريحا أنا كسيح لماذا آخذ مكان غيري… كلها شوية ونوصل على شو العجلة يا زلمة”. بقي الكرسي شاغراً.
الشقراء الحامل رفضت الجلوس أيضاً قالت لهم ” لست جريحة أنا بخير وطفلي لا يثقلني لقد توقف عن ركلي أظنه نام”. أسندت حملها الثقيل بيدها ابتسمت لبائع البسكويت. كان آخر الراكببن كاد القطار يفوته ركبه وقد بدأ في السير كان يلهث لكنه شعر أن القطار ينتظره، لن يغادر من دونه، خاف على كرتونة البسكويت، أسندها بيده وهو يقفز داخل العربة، تفقدها إن كان وقع منها شيء، لم يفقد بسكوته واحدة…
وصل هو والبسكويت، ساخنين الإثنين. رائحة البسكويت عمت العربة، ابتسموا له جميعا في وقت واحد. شعر بالألفة. لا يذكر كيف بدأ في الركض خلف القطار ومتى، ما كان يذكره أنه كان ينادي ” كعك طازة كعك” “آكل الطازة ما بيتآذى ” اقترب شيء ضخم منه سمع صوت انفجار سمع صراخا ثم بدأ يركض هذا كل ما يذكره.
“أنا من حلب” همس للحامل بجواره حطت يدها على كتفه وأومأت له برأسها “أعرف، كنا ننتظرك”.
“لماذا أنتِ هنا” سألها
“أنا مثلكَ” أجابته.
نظر إلى يديها لم تكن تحمل كرتونة بسكويت، ربما كانت تبيع خبزا، نظر إلى تحت، يبحث بعينيه عن سلة خبز أو بيض تحت قدميها، لم يجد أي سلة.
العربة صامتة، لماذا لا يتحدثون. أحب وجوههم، أحب الهواء الذي يخرج ويدخل من نوافذ العربة وكأنه يلعب معهم، شعر بالهواء كأنه طفل لم يكن مجرد نسيم كان كتلة لا يراها لكن يشعر بها كمن ينفخ في وجهك ويختفي ثم يعود.
تقدم حمزة، حمزة يعرف كل الوجوه، كان أول من ركب القطار، هو أيضاً لا يعرف متى وصل القطار ومنذ متى هو واقف ينتظرهم، كانت الأعداد قليلة في البداية، العربات امتلأت بهم الآن.
لا يذكر من أوصله إلى القطار، لم تكن هناك محطة ولا سكة حديدية، قطار يقف على العشب.
“أنا مصطفى عرب، أنا من حلب”.
“وأنا حمزة الخطيب، بسكوتك لذيذ قالوا لي”
“من قال لك؟ لم أضيف أحدا عليه بعد. يلا تفضلوا”.
امتدت الأيادي إلى العلبة.
“هناك أطفال آخرون في القطار”؟
“نعم الكثير هناك رضع أيضاً”
“معهم أمهاتهم”؟
تجاهل حمزة السؤال.
مصطفى يصوغ سؤالا آخر ” هل أجد أبي هنا يا ترى”؟
“لا أعرف، لقبك عرب، وهذا لقب شائع جداً في القطار، كتار عرب هون، لا أعرف من فيهم أباك، لا تحرجهم بالسؤال، نصيحة مصطفى، نحن هنا للراحة أخي”.
سنصل قريبا، قال له الحاج محمد. الحاج محمد يكرر هذه الجملة منذ انطلاق القطار. مستعجل على الوصول لكنه مستمتع بالرحلة، يتأمل الوجوه في العربة ويتحسر، “أنا شيخ وهم صغار والله حرام الدنيا كانت بعدها قدامن”.
هوى نجم من السماء، ارتفعت القاطرة خفيفةً خفيفةً، تنهدت الحامل “يا الله وصلنا ألف الحمد الله”
البساط الأخضر صار بعيدا، تلاشى رويداً رويداً.
السماء صافية لا براميل فيها، كم هذا مريح للبصر.
فيض من أمواج حنين يأخذه فجأة إلى أمه، لو فقط ودعها وقبل يديها.
شعور غريب غمره، ما عاد خائفا، صار خفيفاً. الحامل كأنها سمعته ” لن نموت ثانية لا تخف”. ابتسما.
وصلنا، صرخت الروح حية. أبواب تفتح ضخمة جداً، جميلة جداً.
نظر إلى حذائه الممزق، تمنى لو وصل إلى هنا بحذاء نظيف لا ثقب فيه، حذاء يليق بصاحب الدعوة الذي ارسل القطار لهم. ما أكرمه.
في الأسفل، كان العراة مصطفين بأحذية نظيفة وجديدة أمام مكاتب الاقتراع.

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على القطار الأخير

  1. خلدون كتب:

    أحسنت يا استاذه وجد …نقلت صورة الشهيد بائع البسكويت ..وهي رمزية لكل ما يحصل في سوريا ..(ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ( 42 ) مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ( 43 )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s