وطن بلا كأس

البداية: السيجارة التي قتلت أبي، صالحتني مع الحياة حين صارت بين أصابعكَ.
من الرماد تولد البدايات، محترقين تماماً وصلنا إلى قصتنا، وكان الكاتب يزج بنا زجاً في النص، بطلة وبطل رغم أنفيهما ولا بطولة لنا غير حرائقنا وظلالُ خُطانا تقطر دماء، لسنا بقاتلين، قلنا للكاتب فأجاب: هو ثوب الوطن صبغ جرائمه عليكما. 
“بعدها سرنا به (هذا الوطن) فسار من دوننا. ارتد الدم حصى يستعد لعودتنا”. 
كتب الكاتب جملته الركيكة تلك،فسخرتَ منه واستلقيت على قفاك. لو شئتَ أكسر قلمه وأكتب عنه قلت لك، همستَ لي وقد خرجتَ تماماً عن النص: لا تهمني رداءته المهم أني بطلك، دعيني أمرغ وجهي في فستانكِ..صحتُ بك تباً لك هل أتيت بي إلى هنا لتتحرش بي؟ 
ضحكتَ وهمست لي في أذني: إسمي موجود في الصفحة الأخيرة أنا البطل حتى النهاية وأنتِ لي، ستتعذبين كثيرا ً. 
أجبتكَ.: قصص الحب الجميلة تنبت دوما في زمن الرداءة والحرب والخراب. سأسعى حتى لا ينبت شيء بيننا سترى. هذا الكاتب سيء جداً لن يكتبني ولن يعبر عني. 
وأنتَ لست ببطل، أحتاج إلى رجل يأخذني إلى الفرح، رجل يكسر نصفي الجدي جداً في القصة السابقة، رجل يقترض من بنك السرور ويمنحني.
الكاتب الفاشل جعلك رئيس لجنة الحزن وجعلني كاتبة جمعية المنفيين، نبيع الحب بالجملة للقراء ونعود آخر النص مفجوعين بوحدتنا.
في يوم ما قرر أن يخترع الأمل فترك قصتنا وكتب أغنية (هابطة) لاقت نجاحا كبيراً، نسي مسودة القصة لفترة ثم عاد إليها، حين أحب كاتبة معروفة فألبسني فساتين ملونة وابتاع لك غليونا… فساتيني الملونة كانت استراحة مستحقة لشخصيتي البائسة في ذلك النص.
كنت مراسلة حربية في بداية القصة وملاعق الرصاص كانت جهاز العروس الوحيد الذي امتلكته على امتداد عقد أو يزيد، فجأة قرر أن يمنحني جهازا حقيقيا: طقم للشاي وآخر للقهوة. وأنتَ، أنتَ المنهك بالحروب الأهلية، كانت تسبقك إلى منفاك، كتبك وحفلات توقيعها، خلق منك رمزا وطنيا يلتف حوله المنفيون. 
ثم عاد وتركنا حين تركته تلك الكاتبة. 
بفضل ست أغاني هابطة، تحول كاتبنا إلى رجل مهم، نسي نص قصتنا في الدرج عاماً، انشغل بكتابة أغاني “كسرت الدنيا ” من بينها “جرحي في إيدي يا بوي ولا سألوا عليا” و”الحرب حببتني في حبيبي” و”هي وهُنّ” ثم تذكر قصتنا حين طُلب منه أن يكتب كلمات النشيد الوطني الجديد بعد أن تفتت الوطن وذلك بإجماع مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي انعقد بعد نهاية الحرب. 
شمّر على قلبي فصيرني الأرض التي يقبلها الذاهبون إلى الحرب، العائدون بالسلام. 
شمّر على قلبي أكثر فحمّلني مليون لاجئ ومليوني يتيم. 
شمّر على قلبكَ فسماك مجداً يأتي بعد أن ترتوي الأرض جيدا بالدماء، فينبت الشعب من جديد وسط الحطام والرماد…
وهكذا توقفت قصة حبنا في رواية لكاتب فاشل، لتتحول إلى ملحمة في نشيد وطني. 

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to وطن بلا كأس

  1. حسام كتب:

    رائعة وجد كالعادة

  2. Fadi Abu Saleh كتب:

    im speechless, very creative very deep in the meanings and illustration…very impressive

  3. سيد احمد الخضر كتب:

    رائعة.. جديرة بالحب والجمال

  4. meshal_kuwait كتب:

    احسنتي مقال رائع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s