كونشِرتو منتصف الليل

 

هناك صباحات تتمنى فيها عدم مغادرة السرير، تتمنى فيها ألا تستيقظ  ألا تتذكر، ألا تفتح شبابيك البيت، صباحات تتمنى فيها أن يأخذها الحلم نحو الأشعار والأغنيات، نحو الطرقات المبللة والجسور التي انتظر فوقها العشاق والورق الأصفر الذي رسموا عليه أشعاراً ركيكة، والأزقة الضيقة التي تحفظ خطواتهم، وخرائط الوطن التي بليت قبل عودتهم، وفصول الحب التي لا تتكرر، والنوم الهارب من جفون الحبيبات وأساور العروس.. العروس التي هربت مع حبيبها.

صباحات رائحتها أقوى من رائحة القهوة، صباحات ثرثارة كالريح، حدثَتهم عنك وعني وعن شال «الحروف» الذي أهديتني ذات شتاء، طيّرتْ منه خاء وواوا ولاما وتاء.. فأمطرت السماء حباً سقى المدينة.

صباحات أخرى تدق فيها أساور خَولة على الباب، تفتح لها فتبكي العتبة تحت أقدامكما، والخلخال في كاحلها يدغدغ كاحلك، وفي العناق يسقط على العتبة ألف موال وموال..كل هذا قبل أن تدخل الحرائق تشتعل في الوجدان، ترسم للغائب (الذي كنت) قصيدة من قمح تطعمها للعصافير في الغربة.

(قبل الظهر بقليل) الغيوم في السماء تأخذ شكل الدببة دببة أخرى تجلس على الأرفّ في متجر كئيب، دببة أصغر زرقاء اللون (هل شاهدت دباً أزرق قبل اليوم؟) معلقة من رؤوسها على باب محل الزهور، تدخل حسناء تتتسلم من البائع إصاً من الشوك، تدس في كفه ورقة نقدية ودون ابتسامة تخرج بسرعة، جافة كالشوك الذي تحمله إلى مكتب مديرها المتحرش.

في المساء، وحيدةً تشاهد حسناء من روما باهتمام بالغ «وثائقياً» عن صناعة الأجبان في قرية نائية في سيسيليا (صقلية). الكاميرا تتنقل من الضيعة إلى المطبخ الضيق، هناك فتاة تقطع البصل في صمت، تمسح دمعها ثم تدندن أغنية كلماتها الأصلية عربية، وضعها جندي في جيش الأغالبة غزا صقلية عام 827 ووقع في حب راعية أغنام. الأغنية مطلعها يقول:
أتينا فاتحين حتى رأينا عينيك فخرَرْنا ساجدين.

الساعة الثامنة إلا ربعا مساء، تحتسي زبيدة الشاي محاولة التشبث بيد الفنجان، بيدها اليسرى تضغط على اليمنى محاولة إيقاف رعشة يدها.
في مأوى العجز الجديد الذي رماه فيها أبناؤها، الجميع لطيف معها: الطاقم الطبي، المشرفات، العجز أيضاً، ما عدا الذكريات، الذكريات تنهش خلايا مخها، وفي صمت في كل مساء تحسد المصابين حولها بالزهايمر.
«في مثل هذا اليوم قبل ستين عاماً وثلاثة حروب خطبتني من أبي يا حبيبي» تهمس لنفسها فيسقط الفنجان.

قبل نهاية الحرب بقليل، كوزيت ككل مساء في المحراب تصلي الصلاة الأخيرة، تغمض عينيها وتتذكر كل الحب الذي كان يسكن المدينة.

image

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

One Response to كونشِرتو منتصف الليل

  1. fadiabusaleh كتب:

    قام بإعادة تدوين هذه على fadiabusaleh's Blog وأضاف التعليق:
    it is really concerto…how cold hearted we are becoming…it is the story of my mum, my sister my partner my female colleague my female neighbour …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s