النداءُ الأخير

عدتُ إلى بيتي تاركةً وطني ورائي: أنتَ.
أنتَ الذي يختزل في ضمّةٍ واحدة وطنًا بأسره، في حضورك تسقط خطوط الدفاع، وتركض إليك عتبةُ بيتي قبل وصول خطواتك.

لا أعرف من ركض إليكَ قبلي، روحي أم قلبي أم شوقي، قدماي أم يداي أو تراه شعري، تلعثم كلّي، صار الأمر ملتبساً لحظة اليقين، الحضور المنتشي بيقين الحب، جحيم الانتظار تحول فجأة إلى جَنَّاتٍ وهمس خفيف يقول في أذني: ها أنكِ قد وُلدتِ الآن.

في كل خطوةٍ سرتها نحوك كنتُ أكبر وأكبر، حتى صرت سنديانة، وصلت إلى حضنك وقد تحولتُ إلى غابة، كل سنديانة فيها تروي أسطورة، تحفظ عن ظهر قلب أسماء الطيور التي حطت على أغصانها طيلة عقود، أسماء الحطابين الذين هووا بفؤوسهم على جذوعها مفكرين بقطعها ثم رحلوا دون المساس بها…

في كل خطوة سرتها نحوك، كنتُ فراشة تترنح بسكرة النور ولا تحترق، وصلتُ إلى حضنك وقد تحولتُ إلى سرب فراشات ألوانها أشد لمعاناً وعمرها أطول وأجنحتها أكبر، وعندما حطّت على كتفك اعترفت لك بكم زهرة زارت وكم شبكة كادت تصطادها وكم نور كاد يحرقها.

في كل خطوة سرتها نحوك، كانت خطوات الآخرين تمّحي وتختفي أصوات وقعها، ينتفي حضورهم، يختفي الجميع من المشهد ولا يبقَ أحدٌ سوانا.

حين وصلت إلى حضنك كان هناك غموضٌ في التقاط الزمان السريع بحفنة كلماتٍ وضمّاتٍ كثيرة وعناق أصابع تنحت دون إرادتنا آلهة حبٍ، غموض في لسعة النار التي يصنعها عناقك الطويل، ساعدك وهو يلفني كمن يعيد شجرةً اقتلعت قبل قرن إلى موطنها الأصلي.

غموضٌ في دخان سيجارتك غير المستعجلة على الاحتراق وهي تصنع فوق شعري سحباً كثيفة لا تنتهي، سحب ترتفع وترتفع في سماء المدينة فتسدل حكايا لم تَنطق بها شفتاك.
غموضُ نظرتك وهي تشعل وميضاً يدّفي العابرين وكأنها تناشدني: اهطليني قبل أن أبكي.

غموض الالتفاتة الأخيرة التي تسبق الوداع وتليه، تبعده وتدنيه، تؤجله، تخفيه، وتقاوم ثم تستجيب صاغرة للنداء الأخير، نداء في المصدح يذكرني بأنّ الحلم ترجّل ليحملني من حضنك إلى الطائرة.

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على النداءُ الأخير

  1. Zahra كتب:

    دام لنا قلمك، أستاذتنا المبدعة.

    • wajd كتب:

      حبيبتي زهراء

    • rayani كتب:

      قد يكون الغيب حلواً .. انما الحاضر احلى
      وقد يكون الغموض مهرباً ولكن اوضوح ابهى
      وهل قتلنا وضيع حقوقنا الا الغموض
      وهل حولنا الى عبيد من محمد حتى محمود غير الغموض
      الا سحقاً للغموض …
      وسحقً للثوار الكتبة …
      اما انتم ايها المثقفون
      انهضوا اصحوا ولا تبقوا اسرى الغموض

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s