مرسال المراسيل

كلما اكتمل الحضور غبت، لسبب أجهله، كُنتَ مكتملاً حتى في الغياب بعد حضورنا الشفيف مثل رقص روحين لا يلامسان الأرض.
عدتُ إلى رسائلك، هي اليوم الشاهد الوحيد على ما بيننا، على تلك الحرائق التي اندلعت ذات يوم بدواخلنا دون إذننا، عدتُ إلى رسائلك هي اليوم حاضرة وأنت غائب، ما زلت أحيا أنا المصابة بوجع الحياة، ما زلت أحيا لأَنِّي أرى كلماتك ترفرف في بالي.

تلك الرسائل التي تنام في أجهزتي “الذكية” والتي لم أمحها، تؤرخ لقصتنا كيف بدأت، في أي فصل، في أي ريح، تحت أي عاصفة، تؤرخ لعدد الخطوات التي قطعتَها وأنت تسير باتجاهي ذات شتاء.

كل شيء بدأ ذات شتاء قارس، كنت ألملم عاطفتي حتى لا تؤثر على عملي، أتحامل على نفسي حتى لا أنهار أمام جبل الحزن المخيم في ركن شقتي، مثل مشرد عجوز يرى كلبه يموت في زاوية الشارع ولا يقوى على إنقاذه.

أنا الخارجة من نيران الحروب الكثيرة التي خضتها، كنت في مدينتي القاسية الباردة رغم القيظ، الموغلة فيالأنانية والمادية والرأسمالية المتوحشة، أعود كل مساء إلى جدران شقتي، أدفن نفسي في نشرات الأخبار، أتناول عشائي بمفردي، السكون المخيم حولي يذكرني بأن غربتي أشد قسوة مما تتخيلت، حين لا ينتظرك أحد خلف الباب لتلقي بنفسك في أحضانه لحظة تدخل، لتلقي برأسك على كتفه، وتستنشق عرقه وتهمس له: كان يومي طويلاً، أنت هديتي آخر اليوم.

أدخل شقتي كل مساء، أخربش حيطان وحدتي بأظافري وأصرخ بداخلي كذئب جريح، أنهار وأقف فوراً وأعاود السير والصخرة ذاتها على ظهري.
أنت أتيت على نحو مفاجئ، سرتَ نحوي بإصرار، ثم سرتُ نحوك بدوري بخطى مطمئنة.

كان قلبي زهرة غريبة، جذورها تمتد دون إذني نحوك، تثابر في كل الفصول لتحيا رغم شُح المطر، ربما كنت أنت المطر وأنا لم أنتبه.
طرقك الخفيف على باب قلبي الذي كنت أتجاهله، تحول إلى إيقاع ينتصر على صوت الجنازات والحروب والمآسي.
أنتَ الذي وضعتُ راحة يدي بيده وهمست له: “عد بي إلى البيت، لقد أضعت طريق العودة منذ سنين”..أنت اليوم غائب بشدة وعلى نحو مخيف وجارح.
كيف نروض القلب على تحمل الغياب بعد تحمل ضجيج الحضور.

كان كل شيء يقودني إليك: الهروب، برودي، لامبالاتي. كنت وفية لعواء الذئب بداخلي، أهرب إلى داخلي كلما خطا أحدهم خطوة نحوي، أتسلق جدران روحي وأهرب بعيداً…لكن كل ما فعلته قادني إليك بشكل مفاجئ…طريقي الطويل التقيتك فيه، والحلم الذي رأيتك فيه في البداية كان صادقاً، سيري الطويل في الغابة حيث وجدتك…لا ذئاب خلفي.

في كل غياب، أنفخ من أنفاسي في الشغف حتى لا يفتر، كمن تحاول إنقاذ رضيعها من الموت، تبث أنفاسها في فمه وتفرك أطرافه حتى تدب فيها الحياة.
رسائلك التي تنام في “أجهزتي الذكية” تقويم خاص لما حدث بيننا، كيف كنّا وكيف أصبحنا.

روضت الشوق في كل غياب لك يطول أو يقصر، صرت أختفي خلف الابتسامات والمزاح، أختفي خلف الانكسار، حتى لا يكشفني.
في كل غياب لك، لا يقسو قلبي وهذه من المعجزات بل يسحب أريكة حمراء ويرسم ظلك وهو يسير معي، يستدعي دخان سيجارتك، ويعيد بثّ أنفاسك فوق وجهي.

الحب فكرة لا تتحمل التفسير، مهما أنكرته أنت وطردته أنا.
أضع هذه الجملة في رسالتي الأخيرة إليك. لا ساعي بريد يحملها حيث أنت.

Advertisements
هذا المنشور نشر في اشياء عربية. حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to مرسال المراسيل

  1. Zahra كتب:

    مبدعة أستاذة وجد

  2. , when you see yourself in each letter in each space between the words,when the tears and words are combined,when memories go through us and every word touches our hearts be sure that a free strong woman called WAJD had creatively crafted it in our intellect. Thank you amazing as always.

  3. fadiabusaleh كتب:

    قام بإعادة تدوين هذه على fadiabusaleh's Blog.

  4. Lamees.n كتب:

    مشاعر جميلة جدا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s